الشيخ زياد زامل أبو مخ- مدير الدائرة الإسلامية
لا بد من بذل الجهد للتصدي لمحاولات التشويه والافتراءات والإشاعات القائلة أن:" الخطاب الإسلامي فقد دوره وتأثيره" وإن الإسلام قد عزل نفسه عن تشييد الحضارة الإنسانية , ساعد على ذلك ما تقذفه تقنيات الاتصال والشبكات الدولية "الانترنيت" من تشويه وتحريف.
إن المسلم أصبح في مسيس الحاجة إلى تبصير نفسه أولا بحقائق دينه ومنهج قرآنه, بوصفه منهجا يحمل للبشرية جمعاء السعادة والطمأنينة، ثم التوجه ثانيا إلى الناس كافة, لصد محاولات العزل بين المسلمين وغير المسلمين, بتأويل نصوص القرآن والأحاديث النبوية تأويلا يجلب العداء ويأتي بالشحناء, لذا لا بد من اتباع تقنية حكيمة تعين المسلم على مخاطبة غير المسلم حسب دوائر ثلاث.
الدائرة الأولى: التوحيد الخالص لله تعالى:
إن القرآن الكريم, أوضح أن الدين الصحيح الذي أوصى الله به الأنبياء والمرسلين هو دين، في أصله وجوهره قائم على توحيد الله تعالى، فقد قال تعالى في محكم آياته :" شرع لكم ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا."
وقوله تعالى:" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أن لا اله إلا أنا فاعبدون".
ويبين أن الإنسان مفطور على الدين الصحيح فقال تعالى:
" فطرت الله التي فطر الناس عليها" وان هذه الفطرة قائمة على العهد الذي أخذه الله تعالى على بني ادم
" وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا".
لقد أمر الله تعالى الإنسان بحمل أمانة الاستخلاف، بإشاعة الخير ونشر السلام والانتفاع المثمر بكل ما سخر الله تعالى في الكون من مخلوقات. قال تعالى:" هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"
فالرسالات الإلهية التي أوصى الله بها لأنبيائه ورسله جاءت لتصحيح كل زيغ, كان سببه الإنسان, فالعاقل يدرك فضل الله تعالى على البشرية بان منحهم العلم الإلهي لتبصيرهم بحقيقة الإيمان بالله ومعرفة حقائق الوجود, للخروج من التطورات الذهنية العاجزة ومنحهم النظرة المبصرة الشاملة لحقائق الحياة والكون, قال تعالى: " وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً".
يقول الأستاذ الدكتور احمد فؤاد باشا:
" عندما جاءت الرسالات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، واجهت الفكر البشري بقضية لازمة لا جدال فيها, وهي أن ما جاء به الوحي في الكتب المنزلة، هو القول الفصل في كل ما عرض له من شؤون الكون والحياة, كل حسب حاجة البشر إليه عند تنزيله، ولكن هذا لا يمنع العقل من أن يفكر ويبحث لأنه سوف يتوصل في النهاية إلى أن الحق هو ما اخبر الله به في كتبه المنزلة, ولذلك نشأت قضية التوفيق بين العقل والنقل, أو بين التفكير والوحي أو بين الفلسفة والعلم والدين.
الدائرة الثانية: الوسطية:
لقد دعا الإسلام بوضوح إلى العدل باتباع الوسطية, فلا إفراط ولا تفريط, والوسطية أساس التوفيق بين المتقابلات والتفاعل الحضاري بين الشعوب وثقافانها, اخذا وعطاء ومعرفة بطبيعة الأشياء والحكم عليها، دون التخلي عن الخصوصيات والخاصيات التي يحملها طرف من الأطراف.
وإذا أخذنا مصطلح " التعارف" و"التدافع" كدليلين للتوفيق بين المتقابلات نجد:
أن التعارف في قوله تعالى:" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا إن كرمكم عند الله اتقاكم".
نجد أن هذه الآية فيها التدبر والتفكر, انه التعارف القائم على التواصل والمصالح المشتركة وطبيعة التعددية ومبدأ التآخي البشري, ذلك لأن الأصل واحد فكلنا لآدم وآدم من تراب.
قال تعالى :
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً".
وأما "التدافع" فقد بين الله تعالى في قرآنه الكريم:" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض..)
وهكذا يسخر الله تعالى للحق أنصارا، يدفعون الظلم ويردون الناس الى الحق المبين. ولولا سنة التدافع لما عمرت الأرض ولعمر الباطل وطغى الناس وتمادى المفسد, وقد اشترط الإسلام أن يكون التدافع بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة ضمانا لتعديل السلوك، ودفعا إلى العلاقة الإنسانية العادلة التي لا عوج فيها ولا أمتا قال تعالى:
"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم".
الدائرة الثالثة : الحوار البناء:
إن اعتماد الحوار البناء أساس التعامل بين الناس وهو الأجدى والأقرب إلى العقل, فغالباً ما يسوق الحوار إلى خير الإنسانية, شريطة ألا يكون ما ورثه العقل عن الآباء والأجداد عقبة في طريق الحوار أو الإذعان الأعمى إلى صاحب الضلالات من ذوى المصالح الذاتية والمناصب الدنيوية والجهلة في نصوص الشرائع السماوية، ففي ذلك أيضا عقبة في طريق الحوار الجاد النافع.
وعود على بدء, فالدعوة إلى توحيد الله واتباع الوسطية واعتماد الحوار الواعي من شأنه جعل الخطاب الإسلامي حيا في نفس المحاوِر والمحاوَر، فضلا عن تأثيره ودوره ومصداقيته.