Hafsa
11-14-2006, 11:50 PM
يوم العودة
نظر من النافذة الطائرة لتتراءى له بيوتا عهدها منذ زمن ليس ببعيد لتتراءى له طفولته وأيام شبابه ، لم يشعر بشوق العودة للوطن العزيز ولكن كل الذي شعر به كان الضياع ، الضياع لا غير . صاح صوت في داخله (نعم لقد عدت ، لقد عدت لأرض لطالما حاولت الهروب منها لقد عدت لأرض الأجداد.....) ثم صمت الصوت ليظل صداه يتردد داخله مرات ومرات ،ليعذبه في كل مرة أكثر من التي قبلها ،إلى أن ضاقت به نفسه و شعر بالاختناق ، فما عاد بعدها يفقه أين هو أفي الأرض مع البشر أم في السماء مع النجوم ،ولكن صوراً واضحةً كانت تمر بين عينيه ، صور عاشها قبل سنين، صور تجسد القسوة ولو لم تكن بالضرب فهي بالأحكام الصارمة بأحكام تقيد شاب عشق الحياة ، صور كره لأجلها هذه الأرض التي هي أرض الأجداد ... أيقضه من رعشته صوت المضيفة من مكبر الصوت تعبر عن وصول الطائرة وترحب بالركاب في ....أرضه ، ففتح عينيه الواسعتين ببطء لتتلألأ عبرها حبات الخرز السوداء الساكنة فيها ،وجنونه الكامن فيها وسحرها وعبقها العربي ، ثم استجمع قواه ليرحل من الطائرة ولكن قواه خانته كما خانته ماري ،و أخيرا استطاع الوقوف فجمع حقيبته وأغراضه ،ثم غادر الطائرة ، و أول شيء شعر به حينما غادرها كان الحنين ممزوجا بخوف ولد ذكريات الماضي من جديد ولد الخوف في قلبه كما عاشه مرات ومرات في السابق .
بعد جزء من ساعة خرج من المطار ، حاملا معه مائة وألف سؤال عن الذي سيصنعه ، وأكثر ما كان يتردد عليه أين سيذهب؟ ..هنا لاح أمامه خياران..إما أن يذهب إلى أقرب نزل أو أن يعود لأهله وبمجرد أن فكر في الخيار الثاني حتى بان على وجهه خوف واضح فكأنه يعود ابن السادسة عشر من جديد ،وليس محمد الذي بلغ الخامسة والثلاثين من عمره عشر منها قضاها في الخارج حيث كان يعتقد أنه سيجد السعادة و أنه سيتحرر من كل ما أعاق شبابه وانطلاقه ... ثم أيعود بعد سبع سنين لم يسأل فيها على أب أو أم أو أخ بكل تلك البساطة؟ ولذلك رجح القرار الأول عن الثاني ، ثم اتجه لسيارة أجره كانت تقف أمام المطار ، ووضع حقائبه فيها وركب بجوار السائق ، وهنا سأل السائق بأن يوصله إلى نزل قريب من وسط البلاد تتوفر فيه أساليب الراحة ، وفي الطريق همست له الشمس بأشعار ذات قوافي جعلته يتصبب عرقا وكأن تلك العينين قد ارتبطت مع الشمس بسر غريب سر خافت لا يفقهه البشر،وما هي إلا دقائق حتى وصل إلى النزل المطلوب ، فدخل وطلب غرفتاً ثم دخل إلى الغرفة ليلقي على سريرها جسده المتعب الذي أنهكه السفر .
يوم يعود فيه عبق الذكرى
داعبت أشعت الشمس المشاكسة رموشه النائمة ليحاول بكل بطئ أن يفتحها وبعد جهد جهيد فتح عينيه بعد أن ضاعفت أشعت الشمس سحرهما ،ليختفي منهما أثر الإرهاق وهم سنين الغربة الطويلة وأثر الحزن العميق الذي أنتجنه خيانة حبيب و عشير ،ثم تساءل صوت داخله (أين أنا...؟) ، ثم حاول أن يتذكر أين هو فعادت إليه الذكرى بمرارتها وبؤسها ،حاول أن يخرج منها أن يتناسها ولكنها سكنته ، لقد رحل من وطنه ليتخلص من جراحه و ألمه ليعود بجرح جديد وألم جديد .فكانت الصور تلوح أمام عينيه بالتوالي إبتداءً بصورة أبيه وهو يأمره بأن يدخل تخصص طب بدل من الفن متحججا بأن الفن عبارة عن تضيع وقت وجهد ذلك الأب أو وإن صح القول شبه الأب الذي كان لا يراه إلا في العُطل أب بالإسم فقط ،أب شغلته أمواله وتجارته عن ابنه وزوجته ، فحتى عندما يجد وقتاً لهم يظل متوتراً تسرقه مكالماته الهاتفيه التي لا تنتهي، وكم سهر بعدها من ليالي يناجي فيها القمر يشكوه ضياع حلمه الذي لطالما سعى إليه وهو يرسم له صورة حزينة ، ثم رحلته المتخبطة في دراسته الطب وضياع سنين من عمره وهو يعيش مصيرا لم يكن ليختاره أو ليقترب منه وكيف كان كلما راودته فكرة أن يناقش والده في الأمر تذكر وجه والده الواجم فسرعان ما تتلاشى الفكرة من عقله ، وكم من الدموع التي سكبها مودعاً أمه ليدعها أسيرة وحدها بسبب حكم رجل جائر بأنة لا يعول من عصى أمره وأن لا مكان لأشباه الرجال بمنزله ،
كيف حزم حقيبته ومجموعة من رسوماته وخرج من منزله ليرحل بعيداً عن أهله دون أي ذكرى سوى بعض حاجياته ودموع لم تفارقه منذ رحيله،ثم ليالي البرد والضياع التي عانى منها في بلده أولاً وفي الخارج ثانياً باحثا فيهاعن وظيفة ، وعمله في المطاعم وفي كل مكان باحثا عن أمل أو دافعا ليستطيع به إكمال طريقه نحو حلمه المشرد ،الضائع ، ثم ماري وبطولتها في الوقوف معه ومساندته المعنوية والمالية ، فلطالما سحرها ذلك العربي في لونه الأسمر، و عينيه المتمردة ، وابتسامته الساحرة، وصوته الجهوري المليء رجولة، وعزت نفسه ، و عفته المثالية ،فكانت له منقذا وكان لها رجلا ، وليلة زفافه التي خلع فيه أخر أذيال تمده لعالم لطالما سكن في قلبه لعالم طفولته ، و منذ ذلك اليوم ضاع في تقاليد لا يمت لها بأي صله ولكنه تمسك بها لأنها اعتبرت فنه شيء يستحق التقديس ولأنها متحررة من وهم قيود لطالما لحقت به أينما ذهب في وطنه ،ثم أيام رسم فيها وجوه صغار ليعبر من خلالها ألمه في أن لا يكون له طفلٌ يركض خلفه ويداعبه بإرادة قلب قاس قلب امرأة نزعت عنها شيئا يدعى أنوثة وراحت تحشر أنفها في كل زقاق بجوار الرجل ساعية إلى وهم سمي المساواة امرأة باعت لحظات تساوي الدنيا بحالها لحظات تمر على الأم وهي تحضن طفلها وهي ترضعه وهي تداعبه بجسم نحيل لكي لا يفسده الحمل ، وضياع حلم الأبوة ،ثم راودته ذكرى الليلة التي رآها فيها تخونه مع أعز صديق له وساؤلاته في ماري،المرأه التي لم يبخل عليها بشيء من حبه ووفائه أو من ماله في أيام عزه ،وانطلاق نزعته العربية أخيرا التي لطالما خبأها بين ضلوعه في صفعة مدوية ثم هيا جانها ووصفها له بما لا يوصف به بشر ولتعايره بأهله بدينه ولتنطلق منها عبارات لطالما كان يلمحها في عينيها الزرقاء ويشعر بها في معاملتها ، ولكنه تجاهلها متعللاً بأنه لم يعد يعترف بتلك الأرض أو بتلك اللغة ، ثم رحيله من تلك البلاد وأهلها بعدما أعتقد أنه يستطيع أن يبدل أهله ووفاءه وأخلاقه وعادته بأهلها وأخلاقها وعاداتها .
وبعد ما أخذت الذكريات مأخذها من الحزن في نفسه ، حتى راودته تلك الرعشة مرة أخرى لتضعه في عالم من فراغ عالم مجهول الهوية ، يسبح فيه مرات ومرات ،فيفط في نوم عميق يتخبط فيه بين أحلام وذكريات ومزج بينهما .
يوم من واقع
لم تكن أشعة الشمس قويه في هذا اليوم كما كانت في الذي سبقه فقد غطتها السحب فكأنها عروس في ليلة زفافها . فتح عيتيه بكسل ، وما أن لمح أشعة الشمس الخجوله حتى شعر أنه وقت مناسب لجولة في وطنه الغريب عليه ، وبينما هو يجهز نفسه لذلك نطر إلى نفسه في المرآة ، انعكست صورة رجل عربي عنيد، ذا عينين فاتنتين ولون ساحر وفم بسيط و أنف ذا حجم يتناسب مع باقي الملامح ومنكبين عريضين وطول متوسط وجسم معتدل وشعر بلون الليل الأسود يحوي بعض الشيب من المقدمة مجموع وكأنه مصطنع ، ولكنه لم ير سوى فتى في الحادية عشر من عمره ضائع ، خائف ، ثم شعر بالعجز ، ولكن بصيص أمل من مجهول جعل قلبه يرجف،و بنشوة لم يعتدها من نفسه وبحث بين ثيابه التي فاح منه عطر ماري الذي كاد أن يخنقه ، ثم خرج مسرعا من الغرفة كأن له موعدا لا يود أن يفوته ، وفي الحقيقة لقد واعد الحياة .وما إن خرج من النزل حتى قابلته واجهات المحلات ، وظل يسير في الشارع ويتأمل الناس بين شيوخ قد بدت من أعينهم حكمة عميقة وشباب يضحكون ونساء منهن المتبرجات والمحتشمات ولكم جذب انتباهه بعض الفتيات اللواتي كن يضعن خمارا و هن مازلن في الثانية عشر والحادية عشر وكيفية تعلقهن بالكبار في طريقة حديثهن وهن ذوات أجسام صغيره وأحلام كبيره ولكم سرق مشهد الأطفال وهم يلعبون حوله لبه فضل يتخيل أن له ابنا يجري ويركض معهم فكاد أن يعود لحاله السابق ولكنه شعر بالأمل يقوى في قلبه فكان حائلا من عودة إحزانه ، وظل يتخيل كل الذي رآى في لوحة فنيه باللون الرصاصي والأسود حيث يكون في وسطها بيت تقلدي ،تسير حوله أفواج وأفواج من الناس وبعض السيارات تسير بمحاذاته وشمس خجولة مختبئة بين السحاب تتلألأ في رأس اللوحة، فعاد مسرعا للنزل قبل أن تهرب الصورة من مخيلته .
وعندما وصل لغرفته أخذ يقلب ملابسه وأغراضه باحثا على أغراض الرسم وبينما هو يبحث هنا وهناك رأى صندوقا قد زخرف بالزهري والذهبي ومكتوبا عليه باللون الذهبي ( محمد) بخط رقعة فخم ، تذكر هذا الصندوق وكيف أن له سنين لم يفتحه فيها ، فأخذه بكل رقه وجلس بهدوء في شرفة الغرفة وفتحه بكل عناية وكأنه بلطفه وعنايته يعوض له إهماله له ،وعلى ظهر الغطاء ظهرت صورة ليلى بنت خالته الصغيرة بعينيها الواسعتين ورموشها الطويلة التي تركتها بنت العاشرة ،لقد كانت تربطهم علاقة رائعة تربط الفنانين بالأدباء ،فبقدر اهتمامه بالرسم كانت ليل تهتم بالشعر حيث كانا مبدعي العائلة، وفي وسط الصندوق كان هناك بعض القصاصات مكتوب عليها بخط رقعة مماثل للذي كتب على سطح الصندوق ولقد كتب على القصاصات كلام من أشعار على الوطن وأناشيد وطنية وغيرها وقصاصة غريبة شاذة الموضوع قد وقعت عليها يده ،قد كتب عليها بعضا من أشعار أبو قاسم الشابي :.
عذبت أنت كالطفولة، كالأحـ لام ،كاللحن، كالصباح الشديد
كالسماء الضحوك، كالليلة القمـ راء ،كالورد ،كابتسام الوليــد
أنت ... ما انت ؟رسم جمـــــيل عبقـري من فن هذا الوجــــــود
كلما أبــــصرتك عيناي تمشيـ ـن بخطو موقع كالــــنشيــــد
خفق القلــــــب للحياة ، ورف الزهر في حقــــل عمري المجرود
لم يعلم من أين أتت تلك الورقة ولا من وضعها هنا،ولكنه عندما قرأها ضلت تتردد في أذنيه مرات ومرات وكأنه قد إشتاق إلى أن يستمع إلى شعر بهذه الرقه وهذه العفة ، ثم تساءل أين كان هذا الصندوق عندما كان بأشد الحاجة إليه ، وتخيل شكل ليل الآن بعد مرور هذا الزمن ، تخيلها طفله كما كانت ولكن أطول قليلا من المعتاد وتخيل ضحكتها الساحرة الناتجة عن فم مرسوم كالعنقود ، ثم أكمل بحثه بين أغراضه إلى أن وجد ضالته ووضع لوحته أمامه وشرع في الرسم ..أناس ،و أناس، ذهابا، وإيابا ولكن صورة ليل الصغيرة ضلت عالقة في ذهنه ، وعندما أكمل الرسم ونظر في الرسم اكتشف أن كل الوجوه كانت تشبه ليل بعضها في الابتسامة والأخرى في العينين الواسعتين والأخرى في لونها الذهبي، وما إن أكمل رسمه حيث استسلم للنوم بعد أن كان قد داعب لأجفانه مراراً وتكراراً.
اليوم ....يأتي الحاضر بعبق الماضي
وقفت بعض الطيور على شرفة غرفته تتبادل بعض الأغاني بلحن الصباح الباسم ، تعلن عن إشراق يوم جديد وحلم وليد .
سمع حوارها وأحاديثها وفكأن تعب سنين الغربة ، وإرهاق الماضي ، تبدد ليرحل بعيدا محلقا في الفضاء . أفاق من السرير بانتعاش لم يعهده على نفسه ، ثم ظل يتأمل صورته في المرآة باحثا عن محمد الذي اعتادت ابتسامة خوف ترافق وجهه الدافئ وملامحه الساحرة، حاول أن يبحث عنها ،ولكنه لم يجدها ووجد محمد كما لم يره مرة منذ زمن بعيد فترددت في نفسه بعض من الكلمات التي قرأها في الصندوق الزهري :.
أيا أيها الوطن ....أيها الحبيب ..... كتبت في وصفك كلماتي ......كلمات وكلمات ....لا لشيء ولكن لأصف لك شعوري وأنا أسير فوق تربتك ....وأستنشق نقي هوائك ......و أراقب ناس هم أهلي وأهلك ..... لأصف لك شعورا يمللأ علي حواسي ، فينبض قلبي بكل عنف ،وتظل عيناي المشتاقتان ترقب كل شي بحب ......
وطني ....الحمد لله انك وطني ......
هنا أدركه الشعور بالانتماء،شعورٌ كان غائباً عنه سنين وسنين هي سنين الغربة ، فبالرغم من تبرأه من وطنه ومحاولة انتمائه إلى وطن غريب عليه فإن مجرد إلقاء نظره على المرآة التي يرى فيها انعكاس صورته كانت تدل على أنه ليس من أرض شحيحة الشمس ، شحيحة الحب بل هو من أرض مشمسة أرض الكرم من أرض الحب أرض معمرة بالعطاء ، وكأن هذا الشعور الوليد ولد لديه رغبت شديدة بأن يزور منزلا دعاه يوما من الأيام ...منزلي وأناس دعاهم في يوم من الأيام ...أهلي ...، ورافق هذه الرغبة خوف شديد من والده ، وخوف من أن يسأل عن سبب عودته هل سيقول ما السبب هل سيقولها بكل شجاعة هل يعلن لهم ضياع الباقي اليتيم من شرفه ،أو يضل صامتا كما كان مكانه السنين الماضية في قلوب الأحبة صامتا ولكن موجود يرافقهم أينما رحلوا ؟...
خرج من النزل وحاول أن يتذكر مكان منزل والديه ،وبعد جهد جهيد دله عليه محل قديم مازال في مكانه ولم يتغير كباقي أثار الحارة ، وكأن هذا المحل صارع الزمن في مروره وفي التغير الذي حدث من حوله ،وعندما اقترب من المنزل شعر بأن من حوله على وشك أن يسمعوا خفقات قلبه ودقاته التي قد سبحت في أذنيه بكل وضوح ،لمح المنزل ،ثم بدأ بالاقتراب ، وهنا زادت مخاوفه من كل شيء حتى في أن تخونه الحروف والكلمات من أن ينطق أو يتكلم ، وما أن وصل إلى المنزل حتى طرق الباب بلطف ،ولكن لم يجبه أحد راودته فكرة سوداء ، بأن أمه ووالده قد فارقا الحياة ، ولكن قلبه سرعان ما طردها بعيدا ،فبالرغم من أن والده ولكن ضميرهالذي ضل يأنبه على عدم السؤال عنهم ،و بصيص أمل ورابط حب وامتنان لطالما ربطه بأمه جعل قلبه بالقوة الكافية لطرد هذه الفكرة ، وظل فترة ليست قصيرة واقفا أمام المنزل بين طرق للباب وغرق في احتمالات عدم الإجابة ، إلى أن خرج رأس ملأته التجاعيد من شباك البيت المجاور ، وإذا بها جارتهم أم محمود ، نعم لقد تذكرها ،
تمنى أن يخبرها بأعلى صوت لديه أنا محمد أنا ابن هذا البيت ،ولكن شعورا بالخجل منعه من ذلك ، شعور بخذلانه و شعورا بتأنيب الضمير ، شعورا رافقه في أيام غربته فكان يزيد من عذابه ومن ألمه ، قالت له : لا تطرق الباب فلقد رحلوا .قال: إلى أين ؟ قالت: ذهب العجوز إلى قبره ورحلت أم محمد إلى بيت أختها.لقد ألقت تلك العباره في نفسه الرثاء على شبه الأب الذي فارق الدنيا وهو بعيد عنه، قال : أمتأكدة ؟ على أمل مستحيل في تكذيب أخبار أم محمود ،فقالت وقد نظرة له من تحت نظارتها السميكة بعينين أرهقتهما أيام السنين الطويلة : من أنت ؟ ، وفهم من هذا السؤال بأنها تهزأ منه هو الذي يشك في صدق روايتها ،فشكرها وأدار ظهره لها راحلا وهو يتبسم منها ، فبالرغم من مرور الزمن عليها مازالت تحتفظ بكل صفاتها ولم يغير هذا الزمن فيها كما غير فيه ، ولكن سؤالها استوقف رحيله قد طرح منها:أأنت محمد؟ شعر بالخوف ثم التفت إليها وقال : نعم . قالها بصوت متقطع فلم يكن يعلم السبب الذي دعاه ألى أن يكشف لها بسره، فقالت بفرحة ظاهره : إلا تسلم أيها المشاكس ؟ أم كبرت على التسليم ؟فضحك واتجه نحوها ،فقالت : لحظات وأفتح لك الباب ، ثم فتحت له الباب وظهرت من خلفه تدعوه للدخول بجسمها الصغير ، دخل ورائحة الطعام الشعبي الذي كان يطهى في ذلك المنزل ملأت رئتيه وأشعرته بالجوع ، عندما مر بجوارها ضلت تحدق فيه من رأسه إلى قدميه وقالت بأسلوب ساخر : لقد كبرت يا ولد ،وزادتك أيام الفراق جمالا وسحرا . ابتسم رادا على ما قالت ، ثم أدخلته لغرفة عرفها وعقلها ، إلى غرفة قضى فيها جزء ليس بيسير من حياته لاعباً مع ابنها محمود، وبعد أن استضافته بفنجان قهوة تركية اشتاقت شفاه لها ،سألته :لماذا رحلت ؟ ، كان السؤال مفاجئاً بالنسبة له وقال في نفسه:مسكينة أنت يا أماه أاحتفظت بهذا السر الجارح طوال هذه السنين، أماه صبرك عليه . هتف صوت من الداخل ، ثم ظهرت صاحبة الصوت ،إنها رهف ، كعادتها بعينيها الملأ بالذكاء وجسدها النحيل ، ألقت السلام ، وقالت :كيف حالك ؟ ،قالتها وهي تنظر لوالدتها بابتسامة ذات مغزى ، فأجاب بكل عنف وكأنه ينتزع الكلمات من فمه انتزاعا :بخير، ثم وقف وقال : شكرا يا خاله على استضافتك ، ولكن يجب أن أرحل . فقالت : لن ترحل قبل أن تتناول معنا الغداء . كانت فكره شهيه بالنسبة له ،ومنها يمكن أن يعلم المزيد من الأخبار عن الحارة ووالديه بعد رحيله . فقال لها :هذا من لطفك . ثم ضلت تروي له ماذا حدث للجيران من تشتت وانتقال للعيش في مناطق مختلفة ..الخ.ثم حكت له كيف ان والده قد خسر ماله وتجارته فأثر ذلك فيه مما أدى إلى مرضه ثم كيفية وفاته قبل خمس سنين ، وأن البيت مازال معروضاً للبيع لتسديد المال لأهله وكيف أن انتقلت والدته للعيش مع أختها التي ضلت ملتزمتا بها، ثم اجتمعوا على الطعام وضلوا يرون بعض الذكريات الدفينة ، فشعر محمد بارتياح لهم ، فحكا لهم الذي حدث له من تشرد وزواج بماري وسبب عودته ، تكلم بحرية لم يلحظها في نفسه فقد كان شديد التحفظ في حديثه في السابق ، ثم شربوا الشاي بالطعم المميز التقليدي له ، ثم استأذنهم للرحيل ولكن رهف استوقفته وقالت : أتعلم أين بيت خالتك ؟ فقال : لا أذكره . واستعجب كيف أنه لا يذكره أو كيف أنه لم يفكر في الأمر من قبل حينما كانوا يتحدثون،فوصفت له البيت ، فتذكره ثم شكرهم وخرج من المنزل وهو يشعر بنشوة جعلته يتمتم ببعض الأغاني القديمة ، وفي طريق العودة احتار بين الرجوع للنزل أو الذهاب لزيارة والدته ، ولكن بقاءه في بيت الخالة أم رهف كان كافياً ليوم واحد فرجح فكرة عودته .وفي طريق العودةكانت الدنيا قد بانت له الدنيا جميعها ضاحكه متبسمة، ولاحت في ذهنه صورة لوحه جديدة ولكنه تذكر أن اللون الأسود قد نفذ في اللوحة السابقة ، فظل يبحث عن محل يبيع مستلزمات الرسم ، إلى أن وجد ضالته ، فدخل المحل وابتاع اللون الأسود ،وعند صندوق المحاسبة لمح كتيب صغير اسمه :من أنا ؟ ، تردد الاسم في ذاته مرات ومرات ، طرح السؤال على نفسه في تلك الدقيقة مئات ألاف المرات ، فابتاعه ،وفي عودته كانت الشمس على وشك الرحيل وقد صبغت باللون الذهبي الساحر وبدت بالروعة الساحرة التي تدعك تنظر إليها ، وكأنها لم تكن تلك الشمس القوية الشرسة التي تعذب العينين بكثرة النظر إليها .
عندما عاد للمنزل فتح الكتيب بكل شوق .وبدأ يقرأ فيه : أنا إنسان من بين مئات الناس الذين يعيشون على الأرض ولكن من أنا ؟ ولماذا أنا هنا ؟ وبين هذه الناس بالذات ؟ ولماذا ؟ ...ولماذا ؟..... ، قرأ هذه الكلمات وتذكر كم من هذه الأسئلة تراوده ليل نهار ، فازداد شوقا في أن يكمل الكتيب ، فكان يتحدث العقيدة الإسلامية وكيف أنها أتت بإجابة على كل هذه الأسئلة : إن الكثير الكثير منا تراوده هذه الأسئلة ، وسبحان الله تعالى إن إسلامنا الحنيف حوى الإجابة عليها ابتداء من قوله تعالى ( لا فرق بين أعجمي ولا عربي إلا بالتقوى )إذن بين كل هؤلاء الناس أنا مميز بعملي وإيماني وتوحيدي .............، ثم إن الإيمان بالله تعالى يجعلنا موقنين بأن الذي يحدث لنا الآن أفضل ما يمكن أن يحدث لنا ........ ، كان يقرأ هذه الكلمات بكل تمعن وينسجم مع حروفها ، وتضل روحه تحلق بينيها جيئا وذهابا ، وكأن روحه كانت مقيده كل هذه السنين . وما أن أكمل قراءة الكتيب حتى شرع في لوحته الجديدة التي كان أبطالها الأسود والفضي والأزرق والأبيض ، فرسم في مقدمتها من جهة اليسار بدرا فضي اللون ، وفي منتصفها من اليمين رسم فتاه صغيره كالفتيات التي شاهدهن من قبل، ترتدي خمارا أسودا ، وكانت اللوحه باللون الأسود ماعدا وجهها وكفيها اللذين رفعتهما بالدعاء كانوا باللون الأبيض ممتزج بالأزرق الخفيف ، كانت أول لوحة له تحوي فتاه محجبة ، ولم يعلم لما رسمها كذالك ، ولكنه رسمها ، وما أن أنهى اللوحة حتى سمع صدى من بعيد ، فخرج إلى شرفة غرفته ليحاول تميز الصدى ،حينما نظر من الشرفة رأى السماء صافيه وملأ بالنجوم وقد ملأت رئتيه رائحة الهواء الرطبة فأشعرته بانتعاش ، ثم سمع الصوت بوضوح فلم يكن غريبا عليه ، فلقد سمع هذا الصوت من قبل مرارا وتكرارا ،إنه أذن الفجر ، شعر برعشة تسري في جسده ، ثم تذكر والدته ، بوجهها الحاني ، وكيف كانت تدعوه ليصلي معها ، ولكم زاد شوقه لرؤيتها ، ولبس حذائه وخرج مسرعا من الغرفة ، وسأل موظف الاستقبال عن أقرب مسجد لهم ، فدله عليه ، دخل المسجد ثم تذكر أنه لم يتوضأ ، فدخل دورت المياه المجاورة للمسجد ،ولكنه نسي كيفية الوضوء ، فضل واقفا أمام المسجد ، منتظرا أن يأتي أحد وينقذه ، فقدم رجل عجوز ، قد ظهر على جبينه أثر الصلاه، ثم دخل المسجد بعد أن بادله الابتسامة ، ثم قدم رجل في العقد الخامس من عمره ، فدخل إلى دورة المياه ،فتبعه ، وراقبه ، فرآه يتوضأ فحاول أن يصنع ما رآه يصنع ، وصنع ذلك ، وما أن أكمل ذلك حتى شعر بنشوة ، وبطهارة ، جعلته يشعر أنه فوق السحاب يبادل الطيور أحاديث سريه يتهامسون ويضحكون ،وما هي إلا دقائق حتى رفع المؤذن صوته مقيما ، فوقف مع المصلين في الصف الأول ، بجوار المؤذن من اليمين ، وعندما بدأ المؤذن الصلاة حتى ما عاد يشعر بقلبه من كثر خفقه ، وعندما قرأ المؤذن سورة الفاتحة ، حتى تتابعت دموعه وهو يسمعها ، وخاصة في قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )،وقرأ الإمام بعدها سورة الإنسان ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لو يكن شيئا مذكورا....) وشرع في بكاء مرير ، عله يخفف عنه غفلة السنين الماضية وكان في كل أية رحمة وثواب يسأل الله العظيم أن يكون من أهل الرحمة والثواب ، وإذا وصل إلى أيات الكافرين ، ومن ألهتهم الدنيا سأل الله أن يبعده عنهم ،و عندما قرأ الإمام قوله ( يدخل من يشاء في رحمته و الظالمين أعد لهم عذابا أليما ) شرع في بكاء مرير أشد من سابقه وضل يشهق وهو يبكي .
و ما إن أنهى الإمام الصلاة حتى خرج مع المصلين ، واتجه نحو النزل ، كان لون السماء أزرق ممزوجاً بالأحمر الخفيف وضوء الشمس قد بدأ يصارع سواد الليل فباتت لوحتا ناطقه تدعو للعجب ، والتسبيح ، فكان يشعر أن روحهه قد ودعت جسده لتحلق بين البيوت القديمة تعانق الناس وتتلو عليهم السلام ، بات يشعر بنشوة لا توصف ، وما ان وصل إلى غرفته حتى ألقى بجسده الخفيف ذا الروح الحرة على سريره وباتت نفسه تتلو عليه البقية الباقية من أدعية كانت تتلوها والدته عليه في صغره ، لم يعلم كيف وصلته أو كيف تذكرها ، هنا تذكر صورة أمه الملأ بالحنان ، وكفيها العاطر تمنى لو انه يذهب لها الآن فيعانقها ويطلب منها العفو عن السنين السابقة وعن هجرانه لها ، ولكن النوم سرقه ليضعه في أحلام ملأها السعادة لم يرى مثلها منذ أمد بعيد .
يوم اللقاء
كثرت حركت الناس في الخارج، وتعالت أصواتهم لتهمس في أذنيه ، بسمفونية الحياة النشطة ، استيقظ بنشاط، و اتجه للشرفة ليلحظ حركة الناس ، وضل يراقبهم ، بين بائع ومشترٍ، وأم وطفلها ، فتذكر والدته ، فأسرع في ارتداء ملابسه ، ولقد ارتدى بنطالا بنيا وقميصا بلون زهور الفانيليا وحذاء بني اللون ، ولكنه لم يرتدي أي قبعة ، واتجه إلى الخارج ، وفي طريقه مر على إحدى المحلات فابتاع صندوقا من الحلوى وباقة ورود حمراء، فقد كان هذا الخيار الأفضل بالنسبة إليه ، وعندما وصل إلى المنزل شعر بشعور ابن الرابعة عندما يرسم رسما جميلا فيأتي به ويقدمه لأمه بكل سرور وفرح ، ولكن المنزل كان في حارة قديمه متخلخلة الجدران ، قد ظهرة ملامح الفقر عليها ، لدرجة أن كل من عرض طريقه في الشارع ظل يحدق إليه بتعجب ، فبالرغم من الحاجة التي وصفتها له الجارة لكنه لم يكن ليعتقد أنها تصل لهذه الدرجة، وقف أمام المنزل وقلبه يكاد يتفطر ، في مجرد التفكير في أنه عاش سنوات يصرف المال في الشهوات من الطعام واللباس وفي حفلات ماري وأصدقائها وأمه تعاني الأمرين هنا ، ثم طرق الباب ، فأجابه صوت من الداخل لحظه ، أدرك أن الصوت ليس صوت أمه فالصوت كان شابا أنثويا ، ثم ما ان فتح الباب حتى ظهرت له فتات في العشرين من عمرها ترتدي خمارا أسود قد لفته بإتقان على وجهها القمحي عندما نظرت إليه ابتسمت وقالت :أنت محمد صحيح؟ ،فأنسته ابتسامتها البريئة ما تفطر قلبه له، لاح صوت من الداخل : من الطارق ؟ ، أدرك أن الصوت صوت أمه ، فقال : محمد يا أم محمد . فقالت بصوت عال : والله إني كنت أعلم أن من رد يوسف لأبيه سيرد لي محمد . فدخل مسرعاً لها وقبل يدها وضل يبكي في حضنها ، نظر إلى وجهها ، فرأى امرأة عجوز قد أدرك منها الدهر مدركه ، ألمه قلبه لمظهرها ، فقد كانت تبدو أكبر من سنها بكثير، ولكنها ضلت تمسح على رأسه وتمرر يديها الطاهرتين على رأسه ، وتقول : لقد كبرت ، لقد كبرت ،. وتابعت البكاء ، ثم نظرت والدته للفتاه وقالت : إنها ليل يا محمد لقد كبرت و أصبحت أستاذه في اللغة العربية . فنظرت له ليل بخجل وقالت: لقد أخبرتنا أم رهف بقدومك ، ثم نظرت له والدته وقالت آمره : ليل اقتربي، فاقتربت ليل فحضنتها والدته وقالت :عندما توفي والدك ، بقية وحيده ولم يكن لي ملجأ غير الله فانتقلت للسكن معها هي وأخيها علي ، أما علي فقد تزوج ،وسكن بالقرب من هنا ، وهو من ينفق علينا ،أما ليل فإنها المعتنية بأمك العجوز والصابرة عليها ، فنظر إليها وقال :أمي لا تقولي هذا الكلام فمازلت شابه ، فقالت : إن أبني بدأ يشيب كيف تريدوني أن ابقي شابه ، قالتها وهي تمسك بخصلاته البيضاء ، فابتسم. قالت الأم: حدثني بما حدث لك بكل تفاصيل حياتك البعيدة عني ، قالتها بصوت ملئه الحنان ، فقال باختصار : لقد تمرد علي القدر حتى قابلت فتاة تدعى ماري ،وقفت معي إلى أن أصبح لي مكانا في المجتمع وبيعت لوحاتي بشكل كبير وتزوجتها ،ثم أكملت دراسة الفن ، وعملت أستاذا للرسم في إحدى المدارس ، ثم ... ..، فصمت ،ولمعت ابتسامة ألم في وجهه ، وقال بألم : ثم انفصلنا ، فلم يعد لي أي دافع للبقاء هناك . قالت : ألم يكن لكم أبناء ؟ فقال : لا ، لم تكن تود الإنجاب . فحضنته أمه وقالت : سيرزقك الله بخير منها إن شاء الله. ثم قالت ليل: هيا الغداء جاهز ، فاجتمعوا جميعا حول المائدة وتبادلوا الأحاديث حول كل شيء تقريبا قالت الأم : بما انك هنا منذ أيام ، لما لم تأت لزيارتي أيها الجاحد ؟ فقال : الآن أنا بجوارك فدعكي من الماضي . فقالت :ألا تعلم أني بين حياة وموت ولا تضمن أني سأبقى للغد ، فقالت ليل: خاله ماذا قال الطبيب ، ألم يأمر كي بالأمل والدعاء . فقال : أي طبيب ؟ ، فقالت ليل: لا تشغل بالك ستشفى والدتك إن شاء الله ، فقالت أمه معارضه : لقد كبرت والدتك ، ومرضت بالسكر وأنت غائب عنها . فحضنها وقال أمي .... إني معك الآن . وضل قلبه يخفق بقوه ، وعلى وجهه هم واضح ، فقالت ليل محاولتا أن تغير السياق بعد أن كانت من دخل فيه: محمد أين قضيت لياليك السابقة ؟ فقال : في نزل ليس ببعيد عن هنا ، فقالت والدته : وأين ستقضي الليلة ؟ فنظر إليها وقال : في أرض الله ، فقالت:لا تمازحني ، فقال : لا أعلم ، فقالت اقضي الليلة معنا ، ونظرت إلى ليل وكأنها تشاورها ، فقالت ليل: نعم ، فإن والدتك في أشد الحاجة لك ، ثم قالت ثم إن هناك غرفتا فارغة كانت غرفة علي ، وقد وضعنا فيها كل أغراضك التي تركتها ، وبعض الصناديق ولكنك تستطيع قضاء الليلة فيها، فنظرت له والدته متوسلة فقال : حسناً، ومضي الوقت بين دموع وضحكات ، وعندما حان موعد النوم فرافق والدته إلى غرفتها ، ورافقته ليل لغرفت علي السابقة وقالت له تصبح على خير ، فقال لها : وأنت من أهله ، ثم دخل الغرفة وجدها كما وصفتها ليل مليئة بالصناديق وأغراض عشقها في صغره ، ولكن النوم كان حائلا بينه وبين اكتشافها ، فألقى بجسده على السرير و غرق في نوم هنيء .
ماذا يحدث بعد اللقاء ؟
فتح عينيه ببطء فرأى السماء في أول مراحل استقبال النهار ، ثم سمع طرقا خفيفا على الباب- وكان هذا هو اليوم الرابع الذي يقضيه معهم- تلا ذلك دخول والدته إلى لغرفة ثم قالت له: انهض أيها الكسول لصلاة الفجر ، فنظر إليها وتخيل أنه في بيتهم القديم وأنها توقظه للصلاة كما كانت تصنع في الأيام الخوالي ،فنهض وتوضأ ، وصلى الفجر ، ثم سمع أمه وهي ترتل آيات من القرآن الكريم وكانت تقرأ سورة النحل قوله تعالى(والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة و رزقهم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ) ثم أجهشت في بكاء مرير ، فأسرع إليها وقال لها : أماه لقد رزقك الله بابن ، وقد عاد لك فلما البكاء ؟ ، فقالت : إن وقع أماه جميل في قلبي ، ولكني أشتاق وقع جدتي، نظر إليها حائرا فلم يعلم بمذا يجيبها ، فقد تمنى هو أكثر منها أن يكون له أطفال يلاعبهم ويسابقهم ، ثم قالت : بني إن الله قد فتح عليك أبواب رزقه ، وإن خير البر عاجله ، وإن الزواج نصف دينك . نظر إليها وقال : منذ أتيت إلى هنا وأنا لم أفكر في هذا الموضوع أبدا ولكن لأجلك ، سأفكر فيه ، نظرت إليه وقالت : أنا أعلم تفكيرك كم يطول ، إني أخيرك بين عدت فتيات وأنت اختار من ترغب بالزواج بها منهن ، وإن لم تناسبك أي منهن فإن مسؤولية الاختيار تقع على عاتقك بعدها ، فقال : حسنا ، قالها غير مؤمن بها ولكن طائعا لوالدته ، فتجربته المريرة كانت حائلا بينه وبين التفكير في الزفاف ، قالت والدته : ما رأيك بمريم بنت عمك ؟ ، إنها تصغره بعشر سنين ، فقال : أمي إنها عنيدة في طفولتها فكيف حالها في شبابها ، نظرة إليه وقالت كما هي لم تتغير ، وأنت كما كنت لا تطيقها ، قالتها وهي تضحك ، ثم قالت : حسنانا ليل ؟ ما رأيك بها ؟ فقال: أمي أعلم أنها قضت لنا معروفا ولكنها قد تغيرت ، لقد أصبحت واجمة قليلة الضحك قليلة الكلام .وما أن نطق عبارته حتى سمعا صوت أقداما وهي تدخل مسرعتا إلى غرفتها ، فقالت له : لقد جرحتها ،ثم إنك غير محق في قولك ، إنك لا تعرفها .ثم تبعتها الأم ، ودخلت إلى غرفتها وقالت : إنه لا يعرفك ، وإنك يا عزيزتي لزينت النساء . قالت ليل من بين دموعها : إني منبوذة فلا أحد يريدني زوجتا له ، فحضنتها وقالت لها : من قال هذا ، إنك أجمل وأرق فتات رأيتها وعاشرتها ، ثم من تستطيع أن تصبر علي وتتحملني غير أن تكون تاج النساء ، فابتسمت وقالت : هذا إطراء لي ، ثم ضحكتا ، تلى ذلك صوت محمد ينادي أمه ، فذهبت له ، فقال :إني راحل ،فقالت له : والفتاه المسكينة التي جرحتها ؟ فقال : ناديها لي . فنادتها فأتت فنظر إليها وقال : إني أسف . فنظرت إليه بعد إن امتلأت عينيها بالدموع وقالت : لا عليك . ودخلت لغرفتها مسرعه . قالت الأم : أتكفي أسف ؟ ثم قالت : اذهب إلى نزلك ، فقال لها : إني ذاهب وسأعود اليوم بعد الظهر . فقبل يدها وخرج متجها نحو النزل ، في طريقه ظل يفكر فيما حصل فشعر بالأسى على ما قاله في ليل ، ولكنه سرعان إنتقل إلى التفكير في عروسه المقبلة ، تذكر جميع الفتيات اللواتي يعرفهن في العائلة فلم يجد فتاتا مناسبة ،ثم فكر في رهف ، فشعر أنها مناسبة –فقد علم أنها مطلقه مثله – وظلت صورتها في عقله ، وشعرها الأسود الناعم منشورا بطريقه عفويه فوق كتفيها ،وبشرتها البيضاء ، وعندما وصل إلى النزل قال له عامل الاستقبال ممازحا : لولا أنك دفعت أجر أسبوع لكنا رمينا بأغراضك في الخارج ، فقال : الحمد لله أني فعلت ، ثم استلم مفاتيح غرفته واتجه إليها، فغرق في النوم ، ولم يفق سوى على أذن العصر ، فصلاه مع الظهر ، وشعر بشعور مزعج ، ثم دخل إلى الحمام بغرض الاستحمام ، وهو يشعر بضيق شديد ، وبعد ذلك ارتدى بنطاله الأسود ، و ارتدى معه قميصا أسود ، و اعتمر قبعته السوداء ، فبان في زيه الأسود أكثر جاذبيه من السابق ، ولكن ضيقه الواضح على وجهه جعل تلك الجاذبية تختفي ، وبدا متوترا ، وخرج من النزل متجها إلى بيتهم القديم ، فقد خطر بباله أن يشتري بيتهم إن كان معروضا للبيع وخاصة أن الأحد يسكنه ، وأن يمر على من وضعها في موقع
صورة العروس المقبلة.
طرق باب أم رهف ، ففتحت له رهف ، فنظر إليها فسحرته ملامحها الرقيقة ، فقالت له وهي تتبسم : تفضل ، فقال لها : شكرا ، ثم دخل عليه أحمد وسلم عليه ، وأتت أم رهف لتلقي عليه التحية ،ثم جلسوا جميعا وتبادلوا أطراف الحديث ثم قال : أتعلمين يا أم رهف من اشترى بيتنا السابق ؟، فقالت هو ملك للبنك على ما أعتقد ، فسألها عن اسم البنك ، وجميع التفاصيل عنه ، ثم استأذنهم للرحيل فقالت له رهف : لا تنسنا ، وتعال لزيارتنا أنت ووالدتك وليل ، فقال في نفسه : قريبا قريبا جدا ، ثم اتجه إلى البنك المراد وأعاد شراء المنزل ، وذهب لوالدته بعدها ، ففتحت له ليل الباب و ابتسمت له ابتسامة ألم واضح كان قد على وجهها ، نظر إليها فشدته ملامحها العربية وكأنه أول مرة يلحظها ،ثم دخل و اتجه إلى غرفت والدته وقال لها : أماه هلم بنا ،فقالت له : إلى أين ؟ فقال : إلى منزلنا . فقالت : ألم أخبرك أنا قد بعناه تحت تأثير الديون ؟ فقال : لقد اشتريته من المال الذي جمعته في سنين الغربة . فدمعت عينيها وقالت : الحمد لله ، الحمد لله الله أكبر ، الله اكبر ، ثم أتت ليل فأخبروها بالخبر ، فابتسمت وقالت : إذن سأنتقل للعيش في بيت أخي إلى أن يأتي نصيبي في الزواج ، فحاولت أن تطلب منها القدوم معهم ولكن نظرات محمد الغير مبالية لكلامها جعلتها تغير رأيها ،ثم اتجهت معه إلى البيت فوجداه كما تركته أمه بأثاثه ولكن الغبار كان قد ملئ كل شيء فقالت له والدته : إذن سأقضي الليلة مع ليل وأنت أقضها في النزل وغدا نجمع أغراضنا وننتقل ليل لعند أخيها ....ثم صمتت لترى رأيه في الموضوع ولكنه أكمل : ونحن هنا . فقالت : إن ليل تعبت معي ولن أجازيها بهذه الصورة إما أن تأتي معي إلى هنا أو أني لن أنتقل معك ، فنظر إليها وقال : أمي ،لقد اخترت رهف أن تكون زوجتي ووجود ليل هنا قد يسبب المتاعب فقالت له : حتى وأنت فنان مرهف الحس، فأنت أناني التفكير ، الله يهديك ، فقط هذا الذي أقوله لك ،ثم إني لن نتقل إلى أي مكان حتى تنتقل ليل إلى بيت زوجها أو إلى هنا معنا . فنظر إليها فرأى في عينيها الحزم ، فقال لها : أترضين فراقي ؟ فقالت : أنت عشت عشر سنين بعيد لا تسأل وهي وقفت معي فصهرت الليالي لتمريضي وصرفت ما تستطيع عليه من مال على دوائي ، وأنت تأمرني بأن أتركها بكل سهوله ، لا لن أفعل، ولا نقاش في الأمر ، فتبددت الفرحة بالمنزل .
ثم أوصل والدته إلى منزل ليل ، وطلب من ليل الإذن في أن يأخذ أغراضه التي في غرفة أخيها ، فأذنت له ،فصعد إلى الغرفه ووجد بداخلها بعض الصناديق التي كتب عليها اسمه وبعض اللوحات التي عقلها ، ثم جمع أغراضه ، وقصد الرحيل ولكن ليل قاطعته قائله : هنالك صندوق بجوار النافذة لك ولكن لم يكتب اسمك عليه ، فعاد ووجد صندوقان بجوار النافذة ، فاختار الأصغر و اتجه نحوهما ليسألهما عن أي الصندوقين له ، ولكن أمه قالت له : ألن تتناول العشاء معنا ؟فقال :لا يجب أن أرحل ، وأخذ الصناديق ونسي أمر الصندوقين ،و اتجه نحو منزله ووضع فيه أغراضه ، وقضي ليلته في النزل .
وتمر الأيام
كما هي حال أوراق الخريف ما إن تسقط واحده حتى تتوالى باقي الأوراق في التساقط واحدة تلو الأخرى ،توالت الأيام لتصنع الشهور ، فبعد مرور ستة شهور ، كان محمد قد اشتغل في التدريس ، وظل يسكن وحيدا بينما كان يتردد على زيارة بيت ليل لزيارة والدته .
كان التغير في أسلوب العيش وعقلية الطلاب صعبا بالنسبة له ، ولكنه كان متقننا لعمله مؤديا لرسالته بأكمل وجه ، وقد كتب في مذكراته ذات يوم :
أيا أرضي اعذريني ...على سنين بعتك فيها ....
إنك لجميله ..بقدر أيام الذكريات الماضية ......وأيام الأمل القادمة
إني ...أحبك ...لأنك أرضي ، ويدفعني حبك إلى أن أتعب وأتعب ،في بنائك وصنع أبنائك ...
صنع شباب المستقبل
إني أعلمهم الفن ....فن الحياة
فن الحب
وفن الأمل
فأرجو منك الغفران على أيام الهجر
ابنك
أيهما المقصودة
كانت السماء ملبده بالغيوم بصورة تجعلها لوحة ناطقه ساحره ، وعندما نظر إليها شعر بنشوة غريبة ، فربما أشعرته الغيوم الغير معتادة بأن هذا اليوم مميز ،نهض بكسل من سريره ثم أمعن النظر في النافذة –فقد كان يوم عطله -، فكانت الغيوم ملهمته ،فبعد أن توضئ وصلى الضحى جلس قبالة النافذة وأمسك بقلمه وبدأ يكتب في مذكراته :
عذبت أنت كالطفولة، كالأحـ لام ،كاللحن، كالصباح الشديد
كالسماء الضحوك، كالليلة القمـ راء ،كالورد، كابتسام الوليــد
أنت ... ما أنت ؟رسم جمـــــيل عبقـري من فن هذا الوجــــــود
كلما أبــــصرتك عيناي تمشيـ ـن بخطو موقع كالــــنشيــــد
خفق القلــــــب للحياة ، ورف الزهر في حقــــل عمري المجرود
هذه كلمات من مجهول وجدتها بين أوراقي في يوم من الأيام،وها أنا أرددها اليوم ..أرددها صبحا مساء ، أرددها كلما لمحتها عيناي ،من أول ما لمحتها عيناي بعد ذاك اليوم شعرت بأن هذه الأبيات قد كتبها قلبي وليس أبو قاسم الشابي ، بل إن قلبي قد رددها كما لم يرددها الشابي، فيا ليت من باعني قلبي لأجلها تسمع شعري ، أو تصل إليها دقات قلبي ، أو تشعر برعشة يدي بجوارها ، ألهذه الدرجة الحب يكون ، أم إني فنان مجنون بحب فتاه من عهد الياسمين ، فتاة الأرض تعشق مشيتها بين السائرين ،فتاة تعاملني كالغريب ، أأبكي ، أأبكي من شوقي أم من الحنين ، أم من حبي المظلوم ؟ فيا فتاة الياسمين يا جوهرتي المصون ، رأفتا بحال فنان ملئت ضحكتك لوحاته الحائرة ولهجتك أسماعه الثائرة على صوتك المجنون الحنون ، من أنت ، أمخلوقة من تراب أم ملائكة من نور ؟ يكاد طهرك يشعرني بأني نجس في اختلاس النظر إليك ، فردي على قلبي ولن أتردد بعدها في أن أكون لك زوجا مطيع ، ردي فإن الوقت من عمري يضيع وسلام على من سرقت قلبي المجنون......بحبها .
ثم كتب على الهامش ...ليتني أرسلها لها .
ثم نظر إلى الساعة فوجدها تجاوزت الحادية عشر فعلم أنه تأخر على موعد تسليم رسوماته لأحد المشترين ، فجهز نفسه وحمل رسوماته واتجه إلى المشتري وسلم له بضاعته واستلم ثمنها ، ثم ذهب إلى بيت ليل ، فطرق الباب ففتحت له ليل وقالت تفضل : فدخل وقبل رأس والدته ، ثم أعطاها مما كسب من لوحاته جزءا ليس بسيطا ، فردته له وقالت : يا بني ،إنك في حاجة لهذا المال فإنك تود الزواج كما أخبرتني منذ شهور ، ولكنا لم نعد الحديث في الموضوع ، فما أخر أخبار سعيدة الحظ ؟ ، فنظر إليها وابتسم ابتسامتا تدل على أن هناك ما يفرح القلوب ، وقال : كل شيء جيد في أوانه ، وما أن قال هذه الكلمة حتى دخلت ليل قائله : ها ما أخبار العمل ؟ فقال : بخير ، ثم قالت أمه : قل مبروك ، فابتسم وقال : هل ستنتقلين للعيش معي ؟ فقالت هو كذلك ، فإن ليل ستتزوج بابن عمها ، فلقد خطبها من أخيها ووافقت عليه ، وسنقيم العرس قريبا ،فابتسم وقال : مبروك ، فقالت بخجل وهي تنظر له : شكرا ،ثم قالت والدته : إذن ما رأيك أن نفرح بك و برهف فتصبح الفرحة اثنتين ؟، وما أن قالت أمه هذه العبارة حتى خرجت ليل من الغرفة مسرعة،ثم قال بتردد وخوف ممزوجين بخجل :لا أعلم . ثم لم يستطع تمالك نفسه ، فاستأذن من والدته وعاد إلى منزله ، وفتح مذكراته ليكتب :
لا أعلم ما يخبئ القدر لنا ، فهل ما سيحصل سيجمعنا أم يفرقنا ؟
هل سينهي عذابي أم سيمحوه ؟
هل يجب أن تنتهي قصت حبنا بالفراق لكي تبقى مخلده كقصة قيس وليلا وقصة عبلة و عنترة ؟
وإن ختمت بجمع هل سينبذها الكتاب والشعراء ؟
إني حائر
إني حائر
وكلما لمحتك تمشين ازدادت حيرتي
لأن نفسي حينها تحدثني قائله
أيا رجلا هل سترضى بك تلك الملاك ؟
أأطلق حبي للأنام أم أحبسه ليضل جرحا داميا لا يشفى؟
وما أن انتهى من خط كلماته تلك حتى رن هاتف المنزل فرفع قائلا بصوت مأساوي : نعم فرد صوت ليل من بعيد تقول : نحن الآن في المستشفى تعال لقد أغمي على والدتك ، فأغلق سماعة الهاتف بعد أن وصفت له مكان المستشفى، واتجه مسرعا نحوه .
هنالك في المستشفى وجد رهف وابنها محمد ووالدتها ، وعلي وليل ، وكان كلا من ليل ورهف ووالدتها يسيران بعصبيه وتردد ، فذهب ليسأل الطبيب عن والدته فقال له : إنها بخير ولكن أغمي عليها من شدة تأثرها بشيء ما سواء أكان تأثرا بالفرح أو الحزن ، ونحن قد منعنا زيارتها لنوفر لها الراحة لا غير وسيفتح باب الزيارة الساعة الثامنة مساءا ، وتستطيع والدتك الرحيل بعد غد إن شاء الله ،فشكر الطبيب و اتجه حيث وقفت النسوة ومعهن علي وقال لهن مقالة الطبيب ،فقال علي : إن شاء الله تخرج سالمه ، إني راحل وإن حدثت أي تطورات أخبروني بذلك ، ولكن النسوة لم يردن الرحيل وكلا منهن أرادت البقاء للاطمئنان على والدته، وضلت ليل ورهف تسيران بتردد منتظرتان أي بصيص أمل يربطهم بأم محمد ، فكل واحدة منهما عاشت مع والدته أيام لا تنسى رهف في طفولتها وليل في شبابها، وضل هو يرقبهما وهما يسيران في توتر: وأخذت نفسه تحاوره قائله :
أيا أيها القدر ، أتدع الحبيبة تترد أمام عيني كتردد قلبي بجوارها ، لولا الحرج لطلبت يدها الآن أمام الناس في هذه المستشفى لأصرخ بجنون ، يا أميرتي أترضينني زوجا لك في الدنيا والآخرة ، فإن هي وافقت دفعت لها مهرا بالدنيا وما فيها وبنيت لها قصرا من السعادة وإن هي رفضت أحببت بعدها لأنها كانت تريده ، فهل أفعلها وأطلب يدها هل أفعلها ؟
وضل يرددها في نفسه حتى وقف وعزم على فعلها ، واتجه نحوهما ، ولكن الطبيب أتى وناداه قائلا : إن والدتك قد أفاقت وتناديك أنت وليل، فدخل هو وليل عليها ،ثم قال : أمي لقد أرهقك الفرح ، فضحكت والدته ، وقالت : إني لا أعلم متى يكون أجلي وإني أخاف أن يكون قريب، فحاول مقاطعتها ولكن ليل همست له بالصمت ،ثم تابعت والدته كلامها : الآن أنا مطمأنة على ليل ، فعندما أراها تتلوا القرآن أشعر بأنها قوية كفاية لتعيش وحيده في هذا الزمن الغريب ، أما الآن وبعد خطبتها فإني أستطيع أن أطمأن عليها كل الاطمئنان ، فحضنت ليل أم محمد وعينيها ملئا بالدموع ، ثم تابعت قائله : وأنت يا محمد ،إن صلاتك في المسجد تدعني أطمئن عليك ولكنك لم تتقدم بعد لخطبت رهف ، فهل ستفعل ؟ أتاه السؤال مفاجئ فلم يعرف ما يقول ، فنظرة له ليل في عينيه ، وحركت رأسها بأن وافق فنظر إليها بتمعن وقال : حسنا يا أمي ، ثم دخل الطبيب وقال : إنها مازالت مرهقه فمن الأفضل أن تنصرفا ، لكي لا تزداد حالتها سوءا . فانصرفا ، وما إن غادرا الغرفة حتى أتتهم رهف ووالدتها وابنها وسألت أم رهف : هل هي بخير؟ فقال محمد : الحمد لله بكل خير ، ثم قال : لقد قمتم بالواجب وزيادة ، ولكن لن تستطيعوا زيارتها قبل الساعة الثامنة ليلا ،ومن الأفضل أن يعود كلا منا إلى منزله ، فنظروا إله جميعا وقد أرهقهم الانتظار ،ثم قالت رهف : حسنا لنعد للمنزل ونأتي لزيارتها في الثامنة ، وشرعوا بالرحيل ،ثم توجه رجل شديد الملامح عظيم الجسد نحوهم ، ثم اقترب منه وقال : السلام عليكم ، فقال محمد : وعليكم السلام ، هل أعرفك ؟ ، فرد الرجل : لا أعتقد ولكنك سوف تعرفني ، أنا خطيب الآنسة ليل ، فشعر أن قلبه على وشك أن يفارق جسده ، ونظر لليل ، فوجدها بغاية السرور ، ولكنه استغرب لأنها لم تكن خجله كعادتها ،ثم قالت رهف : مبروك يا ليل ، العاقبة للزفاف إن شاء الله ، ورددت والدتها مقالتها. وخرجوا جميعا من المستشفى بعد أن ودعوا خطيب ليل ، واتجه كل منهم إلى منزله وقدم علي لاصطحاب ليل إلى منزله، وفي طريق العودة سمع محمد أغنيتا لعبد الحليم غنى فيها : حبيبها ...لست وحدك حبيبها ....
حبيبها أنا ....حبيبها أنا قبلك .....وربما جئت بعدك .....وربما كنت مثلك حبيبها ....حبيبها ...
شعر أن عبد الحليم ما غنى هذه الكلمات إلا له ، ولقصته ، وعاد مسرعا وبحث عن دفتر مذكراته ثم فتحه بعنف،فسقط من بين يديه ، وفتح على صفحت كتب فيها : إني الآن أقع في حب فتاتا مقتها وجرحتها ، لقد جعلتني كلماتها ، أشعر أني ظلمتها ، أأكون بكل هذه القسوة ، ألمجرد تعففها من مخاطبتي برقه ونعومه، والتزام حدود الله معي أعتبرها واجمة ؟ إني ظالم ؟ ولقد أتت هذه الوريقات بيدي تثبت ذلك ، إنها لها إنها وريقات كتبت فيها أناملها :
متى ستعرف كم أهواك يا رجلا أبيع من أجله الدنيـــا وما فيها
أيا رجل الغربة ، ألا تسأل إني لا أعلم هل أحببتك؟ ، أم أحببت أمك الرائعة ؟أم أحببتك لأنك ابنها ؟أم أحببتها لأنها والدتك ؟، إني لا أذكر صورتك إلا لماما ، أراك في مخيلتي ترسم لوحات ولوحات ،فهل تذكرني أنت على الأقل ؟
أني أعاني حب وهم من طرف وحيد فأين أنت لتقرأ كلماتي ؟
وقد وقعت بتاريخ سنتين للوراء وأما الجديدة فإنها كلماتها خطتها عندما جرحتها :
أيا أيها الظالم المستبد أتعتبر طهري وتعففي وجوما، بأس ما أنت فيه من جهل، إن كنت كذالك. ، وإني أكتب هذه المكلمات في غرفت عشت فيها ليال لعل قلبك القاسي يشعر بأنفاسي فيها ،...
فقرأ تلك الكلمات وشعر بأن قلبه قد تبلد ، وحاول أن يكتب شيء في دفتره ، ولكن لا أمل ، فانطلق إلى لوحاته ،وحاول أن يطلق العنان لمشاعره فيها ، ولكن مشاعره تبلدت هي الأخرى ،فاحتار فلم يعلم ماذا يصنع ، فتوضأ وصلى صلاة الاستخارة ،وبعدها شعر براحة في صدره ، واتجه بعدها إلى المستشفى فبشره الطبيب قائلا :لقد استيقظت والدتك وهي تود رؤيتك ،فدخل عليها مطأطأ الرأس مشغول الخاطر ، فقالت له لما الحزن ؟ ، فقال أودك أن تنتقلي للعيش معي . فقالت شهور قليله وأنتقل ولكن بعد زواج ليل ، فقال لها وقد كاد صوته ان يختنق : لا أود أن تأتي أنت وليل ، فنظرت إليه وقالت:وما الذي غير رأيك يا أيها الشقي؟ فنظرة إليه وقالت:إنه الحب فقالت له:إنها تحبك،لو لم تبدي شيئا فإن عينيها تقول ذلك ولكنك كنت لا ترى ذلك،ثم قال:وما العمل الآن؟فقالت:بعد أن أخرج من المستشفى،سأزوجكما قبل أن تغيرا رأيكما.
نظر من النافذة الطائرة لتتراءى له بيوتا عهدها منذ زمن ليس ببعيد لتتراءى له طفولته وأيام شبابه ، لم يشعر بشوق العودة للوطن العزيز ولكن كل الذي شعر به كان الضياع ، الضياع لا غير . صاح صوت في داخله (نعم لقد عدت ، لقد عدت لأرض لطالما حاولت الهروب منها لقد عدت لأرض الأجداد.....) ثم صمت الصوت ليظل صداه يتردد داخله مرات ومرات ،ليعذبه في كل مرة أكثر من التي قبلها ،إلى أن ضاقت به نفسه و شعر بالاختناق ، فما عاد بعدها يفقه أين هو أفي الأرض مع البشر أم في السماء مع النجوم ،ولكن صوراً واضحةً كانت تمر بين عينيه ، صور عاشها قبل سنين، صور تجسد القسوة ولو لم تكن بالضرب فهي بالأحكام الصارمة بأحكام تقيد شاب عشق الحياة ، صور كره لأجلها هذه الأرض التي هي أرض الأجداد ... أيقضه من رعشته صوت المضيفة من مكبر الصوت تعبر عن وصول الطائرة وترحب بالركاب في ....أرضه ، ففتح عينيه الواسعتين ببطء لتتلألأ عبرها حبات الخرز السوداء الساكنة فيها ،وجنونه الكامن فيها وسحرها وعبقها العربي ، ثم استجمع قواه ليرحل من الطائرة ولكن قواه خانته كما خانته ماري ،و أخيرا استطاع الوقوف فجمع حقيبته وأغراضه ،ثم غادر الطائرة ، و أول شيء شعر به حينما غادرها كان الحنين ممزوجا بخوف ولد ذكريات الماضي من جديد ولد الخوف في قلبه كما عاشه مرات ومرات في السابق .
بعد جزء من ساعة خرج من المطار ، حاملا معه مائة وألف سؤال عن الذي سيصنعه ، وأكثر ما كان يتردد عليه أين سيذهب؟ ..هنا لاح أمامه خياران..إما أن يذهب إلى أقرب نزل أو أن يعود لأهله وبمجرد أن فكر في الخيار الثاني حتى بان على وجهه خوف واضح فكأنه يعود ابن السادسة عشر من جديد ،وليس محمد الذي بلغ الخامسة والثلاثين من عمره عشر منها قضاها في الخارج حيث كان يعتقد أنه سيجد السعادة و أنه سيتحرر من كل ما أعاق شبابه وانطلاقه ... ثم أيعود بعد سبع سنين لم يسأل فيها على أب أو أم أو أخ بكل تلك البساطة؟ ولذلك رجح القرار الأول عن الثاني ، ثم اتجه لسيارة أجره كانت تقف أمام المطار ، ووضع حقائبه فيها وركب بجوار السائق ، وهنا سأل السائق بأن يوصله إلى نزل قريب من وسط البلاد تتوفر فيه أساليب الراحة ، وفي الطريق همست له الشمس بأشعار ذات قوافي جعلته يتصبب عرقا وكأن تلك العينين قد ارتبطت مع الشمس بسر غريب سر خافت لا يفقهه البشر،وما هي إلا دقائق حتى وصل إلى النزل المطلوب ، فدخل وطلب غرفتاً ثم دخل إلى الغرفة ليلقي على سريرها جسده المتعب الذي أنهكه السفر .
يوم يعود فيه عبق الذكرى
داعبت أشعت الشمس المشاكسة رموشه النائمة ليحاول بكل بطئ أن يفتحها وبعد جهد جهيد فتح عينيه بعد أن ضاعفت أشعت الشمس سحرهما ،ليختفي منهما أثر الإرهاق وهم سنين الغربة الطويلة وأثر الحزن العميق الذي أنتجنه خيانة حبيب و عشير ،ثم تساءل صوت داخله (أين أنا...؟) ، ثم حاول أن يتذكر أين هو فعادت إليه الذكرى بمرارتها وبؤسها ،حاول أن يخرج منها أن يتناسها ولكنها سكنته ، لقد رحل من وطنه ليتخلص من جراحه و ألمه ليعود بجرح جديد وألم جديد .فكانت الصور تلوح أمام عينيه بالتوالي إبتداءً بصورة أبيه وهو يأمره بأن يدخل تخصص طب بدل من الفن متحججا بأن الفن عبارة عن تضيع وقت وجهد ذلك الأب أو وإن صح القول شبه الأب الذي كان لا يراه إلا في العُطل أب بالإسم فقط ،أب شغلته أمواله وتجارته عن ابنه وزوجته ، فحتى عندما يجد وقتاً لهم يظل متوتراً تسرقه مكالماته الهاتفيه التي لا تنتهي، وكم سهر بعدها من ليالي يناجي فيها القمر يشكوه ضياع حلمه الذي لطالما سعى إليه وهو يرسم له صورة حزينة ، ثم رحلته المتخبطة في دراسته الطب وضياع سنين من عمره وهو يعيش مصيرا لم يكن ليختاره أو ليقترب منه وكيف كان كلما راودته فكرة أن يناقش والده في الأمر تذكر وجه والده الواجم فسرعان ما تتلاشى الفكرة من عقله ، وكم من الدموع التي سكبها مودعاً أمه ليدعها أسيرة وحدها بسبب حكم رجل جائر بأنة لا يعول من عصى أمره وأن لا مكان لأشباه الرجال بمنزله ،
كيف حزم حقيبته ومجموعة من رسوماته وخرج من منزله ليرحل بعيداً عن أهله دون أي ذكرى سوى بعض حاجياته ودموع لم تفارقه منذ رحيله،ثم ليالي البرد والضياع التي عانى منها في بلده أولاً وفي الخارج ثانياً باحثا فيهاعن وظيفة ، وعمله في المطاعم وفي كل مكان باحثا عن أمل أو دافعا ليستطيع به إكمال طريقه نحو حلمه المشرد ،الضائع ، ثم ماري وبطولتها في الوقوف معه ومساندته المعنوية والمالية ، فلطالما سحرها ذلك العربي في لونه الأسمر، و عينيه المتمردة ، وابتسامته الساحرة، وصوته الجهوري المليء رجولة، وعزت نفسه ، و عفته المثالية ،فكانت له منقذا وكان لها رجلا ، وليلة زفافه التي خلع فيه أخر أذيال تمده لعالم لطالما سكن في قلبه لعالم طفولته ، و منذ ذلك اليوم ضاع في تقاليد لا يمت لها بأي صله ولكنه تمسك بها لأنها اعتبرت فنه شيء يستحق التقديس ولأنها متحررة من وهم قيود لطالما لحقت به أينما ذهب في وطنه ،ثم أيام رسم فيها وجوه صغار ليعبر من خلالها ألمه في أن لا يكون له طفلٌ يركض خلفه ويداعبه بإرادة قلب قاس قلب امرأة نزعت عنها شيئا يدعى أنوثة وراحت تحشر أنفها في كل زقاق بجوار الرجل ساعية إلى وهم سمي المساواة امرأة باعت لحظات تساوي الدنيا بحالها لحظات تمر على الأم وهي تحضن طفلها وهي ترضعه وهي تداعبه بجسم نحيل لكي لا يفسده الحمل ، وضياع حلم الأبوة ،ثم راودته ذكرى الليلة التي رآها فيها تخونه مع أعز صديق له وساؤلاته في ماري،المرأه التي لم يبخل عليها بشيء من حبه ووفائه أو من ماله في أيام عزه ،وانطلاق نزعته العربية أخيرا التي لطالما خبأها بين ضلوعه في صفعة مدوية ثم هيا جانها ووصفها له بما لا يوصف به بشر ولتعايره بأهله بدينه ولتنطلق منها عبارات لطالما كان يلمحها في عينيها الزرقاء ويشعر بها في معاملتها ، ولكنه تجاهلها متعللاً بأنه لم يعد يعترف بتلك الأرض أو بتلك اللغة ، ثم رحيله من تلك البلاد وأهلها بعدما أعتقد أنه يستطيع أن يبدل أهله ووفاءه وأخلاقه وعادته بأهلها وأخلاقها وعاداتها .
وبعد ما أخذت الذكريات مأخذها من الحزن في نفسه ، حتى راودته تلك الرعشة مرة أخرى لتضعه في عالم من فراغ عالم مجهول الهوية ، يسبح فيه مرات ومرات ،فيفط في نوم عميق يتخبط فيه بين أحلام وذكريات ومزج بينهما .
يوم من واقع
لم تكن أشعة الشمس قويه في هذا اليوم كما كانت في الذي سبقه فقد غطتها السحب فكأنها عروس في ليلة زفافها . فتح عيتيه بكسل ، وما أن لمح أشعة الشمس الخجوله حتى شعر أنه وقت مناسب لجولة في وطنه الغريب عليه ، وبينما هو يجهز نفسه لذلك نطر إلى نفسه في المرآة ، انعكست صورة رجل عربي عنيد، ذا عينين فاتنتين ولون ساحر وفم بسيط و أنف ذا حجم يتناسب مع باقي الملامح ومنكبين عريضين وطول متوسط وجسم معتدل وشعر بلون الليل الأسود يحوي بعض الشيب من المقدمة مجموع وكأنه مصطنع ، ولكنه لم ير سوى فتى في الحادية عشر من عمره ضائع ، خائف ، ثم شعر بالعجز ، ولكن بصيص أمل من مجهول جعل قلبه يرجف،و بنشوة لم يعتدها من نفسه وبحث بين ثيابه التي فاح منه عطر ماري الذي كاد أن يخنقه ، ثم خرج مسرعا من الغرفة كأن له موعدا لا يود أن يفوته ، وفي الحقيقة لقد واعد الحياة .وما إن خرج من النزل حتى قابلته واجهات المحلات ، وظل يسير في الشارع ويتأمل الناس بين شيوخ قد بدت من أعينهم حكمة عميقة وشباب يضحكون ونساء منهن المتبرجات والمحتشمات ولكم جذب انتباهه بعض الفتيات اللواتي كن يضعن خمارا و هن مازلن في الثانية عشر والحادية عشر وكيفية تعلقهن بالكبار في طريقة حديثهن وهن ذوات أجسام صغيره وأحلام كبيره ولكم سرق مشهد الأطفال وهم يلعبون حوله لبه فضل يتخيل أن له ابنا يجري ويركض معهم فكاد أن يعود لحاله السابق ولكنه شعر بالأمل يقوى في قلبه فكان حائلا من عودة إحزانه ، وظل يتخيل كل الذي رآى في لوحة فنيه باللون الرصاصي والأسود حيث يكون في وسطها بيت تقلدي ،تسير حوله أفواج وأفواج من الناس وبعض السيارات تسير بمحاذاته وشمس خجولة مختبئة بين السحاب تتلألأ في رأس اللوحة، فعاد مسرعا للنزل قبل أن تهرب الصورة من مخيلته .
وعندما وصل لغرفته أخذ يقلب ملابسه وأغراضه باحثا على أغراض الرسم وبينما هو يبحث هنا وهناك رأى صندوقا قد زخرف بالزهري والذهبي ومكتوبا عليه باللون الذهبي ( محمد) بخط رقعة فخم ، تذكر هذا الصندوق وكيف أن له سنين لم يفتحه فيها ، فأخذه بكل رقه وجلس بهدوء في شرفة الغرفة وفتحه بكل عناية وكأنه بلطفه وعنايته يعوض له إهماله له ،وعلى ظهر الغطاء ظهرت صورة ليلى بنت خالته الصغيرة بعينيها الواسعتين ورموشها الطويلة التي تركتها بنت العاشرة ،لقد كانت تربطهم علاقة رائعة تربط الفنانين بالأدباء ،فبقدر اهتمامه بالرسم كانت ليل تهتم بالشعر حيث كانا مبدعي العائلة، وفي وسط الصندوق كان هناك بعض القصاصات مكتوب عليها بخط رقعة مماثل للذي كتب على سطح الصندوق ولقد كتب على القصاصات كلام من أشعار على الوطن وأناشيد وطنية وغيرها وقصاصة غريبة شاذة الموضوع قد وقعت عليها يده ،قد كتب عليها بعضا من أشعار أبو قاسم الشابي :.
عذبت أنت كالطفولة، كالأحـ لام ،كاللحن، كالصباح الشديد
كالسماء الضحوك، كالليلة القمـ راء ،كالورد ،كابتسام الوليــد
أنت ... ما انت ؟رسم جمـــــيل عبقـري من فن هذا الوجــــــود
كلما أبــــصرتك عيناي تمشيـ ـن بخطو موقع كالــــنشيــــد
خفق القلــــــب للحياة ، ورف الزهر في حقــــل عمري المجرود
لم يعلم من أين أتت تلك الورقة ولا من وضعها هنا،ولكنه عندما قرأها ضلت تتردد في أذنيه مرات ومرات وكأنه قد إشتاق إلى أن يستمع إلى شعر بهذه الرقه وهذه العفة ، ثم تساءل أين كان هذا الصندوق عندما كان بأشد الحاجة إليه ، وتخيل شكل ليل الآن بعد مرور هذا الزمن ، تخيلها طفله كما كانت ولكن أطول قليلا من المعتاد وتخيل ضحكتها الساحرة الناتجة عن فم مرسوم كالعنقود ، ثم أكمل بحثه بين أغراضه إلى أن وجد ضالته ووضع لوحته أمامه وشرع في الرسم ..أناس ،و أناس، ذهابا، وإيابا ولكن صورة ليل الصغيرة ضلت عالقة في ذهنه ، وعندما أكمل الرسم ونظر في الرسم اكتشف أن كل الوجوه كانت تشبه ليل بعضها في الابتسامة والأخرى في العينين الواسعتين والأخرى في لونها الذهبي، وما إن أكمل رسمه حيث استسلم للنوم بعد أن كان قد داعب لأجفانه مراراً وتكراراً.
اليوم ....يأتي الحاضر بعبق الماضي
وقفت بعض الطيور على شرفة غرفته تتبادل بعض الأغاني بلحن الصباح الباسم ، تعلن عن إشراق يوم جديد وحلم وليد .
سمع حوارها وأحاديثها وفكأن تعب سنين الغربة ، وإرهاق الماضي ، تبدد ليرحل بعيدا محلقا في الفضاء . أفاق من السرير بانتعاش لم يعهده على نفسه ، ثم ظل يتأمل صورته في المرآة باحثا عن محمد الذي اعتادت ابتسامة خوف ترافق وجهه الدافئ وملامحه الساحرة، حاول أن يبحث عنها ،ولكنه لم يجدها ووجد محمد كما لم يره مرة منذ زمن بعيد فترددت في نفسه بعض من الكلمات التي قرأها في الصندوق الزهري :.
أيا أيها الوطن ....أيها الحبيب ..... كتبت في وصفك كلماتي ......كلمات وكلمات ....لا لشيء ولكن لأصف لك شعوري وأنا أسير فوق تربتك ....وأستنشق نقي هوائك ......و أراقب ناس هم أهلي وأهلك ..... لأصف لك شعورا يمللأ علي حواسي ، فينبض قلبي بكل عنف ،وتظل عيناي المشتاقتان ترقب كل شي بحب ......
وطني ....الحمد لله انك وطني ......
هنا أدركه الشعور بالانتماء،شعورٌ كان غائباً عنه سنين وسنين هي سنين الغربة ، فبالرغم من تبرأه من وطنه ومحاولة انتمائه إلى وطن غريب عليه فإن مجرد إلقاء نظره على المرآة التي يرى فيها انعكاس صورته كانت تدل على أنه ليس من أرض شحيحة الشمس ، شحيحة الحب بل هو من أرض مشمسة أرض الكرم من أرض الحب أرض معمرة بالعطاء ، وكأن هذا الشعور الوليد ولد لديه رغبت شديدة بأن يزور منزلا دعاه يوما من الأيام ...منزلي وأناس دعاهم في يوم من الأيام ...أهلي ...، ورافق هذه الرغبة خوف شديد من والده ، وخوف من أن يسأل عن سبب عودته هل سيقول ما السبب هل سيقولها بكل شجاعة هل يعلن لهم ضياع الباقي اليتيم من شرفه ،أو يضل صامتا كما كان مكانه السنين الماضية في قلوب الأحبة صامتا ولكن موجود يرافقهم أينما رحلوا ؟...
خرج من النزل وحاول أن يتذكر مكان منزل والديه ،وبعد جهد جهيد دله عليه محل قديم مازال في مكانه ولم يتغير كباقي أثار الحارة ، وكأن هذا المحل صارع الزمن في مروره وفي التغير الذي حدث من حوله ،وعندما اقترب من المنزل شعر بأن من حوله على وشك أن يسمعوا خفقات قلبه ودقاته التي قد سبحت في أذنيه بكل وضوح ،لمح المنزل ،ثم بدأ بالاقتراب ، وهنا زادت مخاوفه من كل شيء حتى في أن تخونه الحروف والكلمات من أن ينطق أو يتكلم ، وما أن وصل إلى المنزل حتى طرق الباب بلطف ،ولكن لم يجبه أحد راودته فكرة سوداء ، بأن أمه ووالده قد فارقا الحياة ، ولكن قلبه سرعان ما طردها بعيدا ،فبالرغم من أن والده ولكن ضميرهالذي ضل يأنبه على عدم السؤال عنهم ،و بصيص أمل ورابط حب وامتنان لطالما ربطه بأمه جعل قلبه بالقوة الكافية لطرد هذه الفكرة ، وظل فترة ليست قصيرة واقفا أمام المنزل بين طرق للباب وغرق في احتمالات عدم الإجابة ، إلى أن خرج رأس ملأته التجاعيد من شباك البيت المجاور ، وإذا بها جارتهم أم محمود ، نعم لقد تذكرها ،
تمنى أن يخبرها بأعلى صوت لديه أنا محمد أنا ابن هذا البيت ،ولكن شعورا بالخجل منعه من ذلك ، شعور بخذلانه و شعورا بتأنيب الضمير ، شعورا رافقه في أيام غربته فكان يزيد من عذابه ومن ألمه ، قالت له : لا تطرق الباب فلقد رحلوا .قال: إلى أين ؟ قالت: ذهب العجوز إلى قبره ورحلت أم محمد إلى بيت أختها.لقد ألقت تلك العباره في نفسه الرثاء على شبه الأب الذي فارق الدنيا وهو بعيد عنه، قال : أمتأكدة ؟ على أمل مستحيل في تكذيب أخبار أم محمود ،فقالت وقد نظرة له من تحت نظارتها السميكة بعينين أرهقتهما أيام السنين الطويلة : من أنت ؟ ، وفهم من هذا السؤال بأنها تهزأ منه هو الذي يشك في صدق روايتها ،فشكرها وأدار ظهره لها راحلا وهو يتبسم منها ، فبالرغم من مرور الزمن عليها مازالت تحتفظ بكل صفاتها ولم يغير هذا الزمن فيها كما غير فيه ، ولكن سؤالها استوقف رحيله قد طرح منها:أأنت محمد؟ شعر بالخوف ثم التفت إليها وقال : نعم . قالها بصوت متقطع فلم يكن يعلم السبب الذي دعاه ألى أن يكشف لها بسره، فقالت بفرحة ظاهره : إلا تسلم أيها المشاكس ؟ أم كبرت على التسليم ؟فضحك واتجه نحوها ،فقالت : لحظات وأفتح لك الباب ، ثم فتحت له الباب وظهرت من خلفه تدعوه للدخول بجسمها الصغير ، دخل ورائحة الطعام الشعبي الذي كان يطهى في ذلك المنزل ملأت رئتيه وأشعرته بالجوع ، عندما مر بجوارها ضلت تحدق فيه من رأسه إلى قدميه وقالت بأسلوب ساخر : لقد كبرت يا ولد ،وزادتك أيام الفراق جمالا وسحرا . ابتسم رادا على ما قالت ، ثم أدخلته لغرفة عرفها وعقلها ، إلى غرفة قضى فيها جزء ليس بيسير من حياته لاعباً مع ابنها محمود، وبعد أن استضافته بفنجان قهوة تركية اشتاقت شفاه لها ،سألته :لماذا رحلت ؟ ، كان السؤال مفاجئاً بالنسبة له وقال في نفسه:مسكينة أنت يا أماه أاحتفظت بهذا السر الجارح طوال هذه السنين، أماه صبرك عليه . هتف صوت من الداخل ، ثم ظهرت صاحبة الصوت ،إنها رهف ، كعادتها بعينيها الملأ بالذكاء وجسدها النحيل ، ألقت السلام ، وقالت :كيف حالك ؟ ،قالتها وهي تنظر لوالدتها بابتسامة ذات مغزى ، فأجاب بكل عنف وكأنه ينتزع الكلمات من فمه انتزاعا :بخير، ثم وقف وقال : شكرا يا خاله على استضافتك ، ولكن يجب أن أرحل . فقالت : لن ترحل قبل أن تتناول معنا الغداء . كانت فكره شهيه بالنسبة له ،ومنها يمكن أن يعلم المزيد من الأخبار عن الحارة ووالديه بعد رحيله . فقال لها :هذا من لطفك . ثم ضلت تروي له ماذا حدث للجيران من تشتت وانتقال للعيش في مناطق مختلفة ..الخ.ثم حكت له كيف ان والده قد خسر ماله وتجارته فأثر ذلك فيه مما أدى إلى مرضه ثم كيفية وفاته قبل خمس سنين ، وأن البيت مازال معروضاً للبيع لتسديد المال لأهله وكيف أن انتقلت والدته للعيش مع أختها التي ضلت ملتزمتا بها، ثم اجتمعوا على الطعام وضلوا يرون بعض الذكريات الدفينة ، فشعر محمد بارتياح لهم ، فحكا لهم الذي حدث له من تشرد وزواج بماري وسبب عودته ، تكلم بحرية لم يلحظها في نفسه فقد كان شديد التحفظ في حديثه في السابق ، ثم شربوا الشاي بالطعم المميز التقليدي له ، ثم استأذنهم للرحيل ولكن رهف استوقفته وقالت : أتعلم أين بيت خالتك ؟ فقال : لا أذكره . واستعجب كيف أنه لا يذكره أو كيف أنه لم يفكر في الأمر من قبل حينما كانوا يتحدثون،فوصفت له البيت ، فتذكره ثم شكرهم وخرج من المنزل وهو يشعر بنشوة جعلته يتمتم ببعض الأغاني القديمة ، وفي طريق العودة احتار بين الرجوع للنزل أو الذهاب لزيارة والدته ، ولكن بقاءه في بيت الخالة أم رهف كان كافياً ليوم واحد فرجح فكرة عودته .وفي طريق العودةكانت الدنيا قد بانت له الدنيا جميعها ضاحكه متبسمة، ولاحت في ذهنه صورة لوحه جديدة ولكنه تذكر أن اللون الأسود قد نفذ في اللوحة السابقة ، فظل يبحث عن محل يبيع مستلزمات الرسم ، إلى أن وجد ضالته ، فدخل المحل وابتاع اللون الأسود ،وعند صندوق المحاسبة لمح كتيب صغير اسمه :من أنا ؟ ، تردد الاسم في ذاته مرات ومرات ، طرح السؤال على نفسه في تلك الدقيقة مئات ألاف المرات ، فابتاعه ،وفي عودته كانت الشمس على وشك الرحيل وقد صبغت باللون الذهبي الساحر وبدت بالروعة الساحرة التي تدعك تنظر إليها ، وكأنها لم تكن تلك الشمس القوية الشرسة التي تعذب العينين بكثرة النظر إليها .
عندما عاد للمنزل فتح الكتيب بكل شوق .وبدأ يقرأ فيه : أنا إنسان من بين مئات الناس الذين يعيشون على الأرض ولكن من أنا ؟ ولماذا أنا هنا ؟ وبين هذه الناس بالذات ؟ ولماذا ؟ ...ولماذا ؟..... ، قرأ هذه الكلمات وتذكر كم من هذه الأسئلة تراوده ليل نهار ، فازداد شوقا في أن يكمل الكتيب ، فكان يتحدث العقيدة الإسلامية وكيف أنها أتت بإجابة على كل هذه الأسئلة : إن الكثير الكثير منا تراوده هذه الأسئلة ، وسبحان الله تعالى إن إسلامنا الحنيف حوى الإجابة عليها ابتداء من قوله تعالى ( لا فرق بين أعجمي ولا عربي إلا بالتقوى )إذن بين كل هؤلاء الناس أنا مميز بعملي وإيماني وتوحيدي .............، ثم إن الإيمان بالله تعالى يجعلنا موقنين بأن الذي يحدث لنا الآن أفضل ما يمكن أن يحدث لنا ........ ، كان يقرأ هذه الكلمات بكل تمعن وينسجم مع حروفها ، وتضل روحه تحلق بينيها جيئا وذهابا ، وكأن روحه كانت مقيده كل هذه السنين . وما أن أكمل قراءة الكتيب حتى شرع في لوحته الجديدة التي كان أبطالها الأسود والفضي والأزرق والأبيض ، فرسم في مقدمتها من جهة اليسار بدرا فضي اللون ، وفي منتصفها من اليمين رسم فتاه صغيره كالفتيات التي شاهدهن من قبل، ترتدي خمارا أسودا ، وكانت اللوحه باللون الأسود ماعدا وجهها وكفيها اللذين رفعتهما بالدعاء كانوا باللون الأبيض ممتزج بالأزرق الخفيف ، كانت أول لوحة له تحوي فتاه محجبة ، ولم يعلم لما رسمها كذالك ، ولكنه رسمها ، وما أن أنهى اللوحة حتى سمع صدى من بعيد ، فخرج إلى شرفة غرفته ليحاول تميز الصدى ،حينما نظر من الشرفة رأى السماء صافيه وملأ بالنجوم وقد ملأت رئتيه رائحة الهواء الرطبة فأشعرته بانتعاش ، ثم سمع الصوت بوضوح فلم يكن غريبا عليه ، فلقد سمع هذا الصوت من قبل مرارا وتكرارا ،إنه أذن الفجر ، شعر برعشة تسري في جسده ، ثم تذكر والدته ، بوجهها الحاني ، وكيف كانت تدعوه ليصلي معها ، ولكم زاد شوقه لرؤيتها ، ولبس حذائه وخرج مسرعا من الغرفة ، وسأل موظف الاستقبال عن أقرب مسجد لهم ، فدله عليه ، دخل المسجد ثم تذكر أنه لم يتوضأ ، فدخل دورت المياه المجاورة للمسجد ،ولكنه نسي كيفية الوضوء ، فضل واقفا أمام المسجد ، منتظرا أن يأتي أحد وينقذه ، فقدم رجل عجوز ، قد ظهر على جبينه أثر الصلاه، ثم دخل المسجد بعد أن بادله الابتسامة ، ثم قدم رجل في العقد الخامس من عمره ، فدخل إلى دورة المياه ،فتبعه ، وراقبه ، فرآه يتوضأ فحاول أن يصنع ما رآه يصنع ، وصنع ذلك ، وما أن أكمل ذلك حتى شعر بنشوة ، وبطهارة ، جعلته يشعر أنه فوق السحاب يبادل الطيور أحاديث سريه يتهامسون ويضحكون ،وما هي إلا دقائق حتى رفع المؤذن صوته مقيما ، فوقف مع المصلين في الصف الأول ، بجوار المؤذن من اليمين ، وعندما بدأ المؤذن الصلاة حتى ما عاد يشعر بقلبه من كثر خفقه ، وعندما قرأ المؤذن سورة الفاتحة ، حتى تتابعت دموعه وهو يسمعها ، وخاصة في قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )،وقرأ الإمام بعدها سورة الإنسان ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لو يكن شيئا مذكورا....) وشرع في بكاء مرير ، عله يخفف عنه غفلة السنين الماضية وكان في كل أية رحمة وثواب يسأل الله العظيم أن يكون من أهل الرحمة والثواب ، وإذا وصل إلى أيات الكافرين ، ومن ألهتهم الدنيا سأل الله أن يبعده عنهم ،و عندما قرأ الإمام قوله ( يدخل من يشاء في رحمته و الظالمين أعد لهم عذابا أليما ) شرع في بكاء مرير أشد من سابقه وضل يشهق وهو يبكي .
و ما إن أنهى الإمام الصلاة حتى خرج مع المصلين ، واتجه نحو النزل ، كان لون السماء أزرق ممزوجاً بالأحمر الخفيف وضوء الشمس قد بدأ يصارع سواد الليل فباتت لوحتا ناطقه تدعو للعجب ، والتسبيح ، فكان يشعر أن روحهه قد ودعت جسده لتحلق بين البيوت القديمة تعانق الناس وتتلو عليهم السلام ، بات يشعر بنشوة لا توصف ، وما ان وصل إلى غرفته حتى ألقى بجسده الخفيف ذا الروح الحرة على سريره وباتت نفسه تتلو عليه البقية الباقية من أدعية كانت تتلوها والدته عليه في صغره ، لم يعلم كيف وصلته أو كيف تذكرها ، هنا تذكر صورة أمه الملأ بالحنان ، وكفيها العاطر تمنى لو انه يذهب لها الآن فيعانقها ويطلب منها العفو عن السنين السابقة وعن هجرانه لها ، ولكن النوم سرقه ليضعه في أحلام ملأها السعادة لم يرى مثلها منذ أمد بعيد .
يوم اللقاء
كثرت حركت الناس في الخارج، وتعالت أصواتهم لتهمس في أذنيه ، بسمفونية الحياة النشطة ، استيقظ بنشاط، و اتجه للشرفة ليلحظ حركة الناس ، وضل يراقبهم ، بين بائع ومشترٍ، وأم وطفلها ، فتذكر والدته ، فأسرع في ارتداء ملابسه ، ولقد ارتدى بنطالا بنيا وقميصا بلون زهور الفانيليا وحذاء بني اللون ، ولكنه لم يرتدي أي قبعة ، واتجه إلى الخارج ، وفي طريقه مر على إحدى المحلات فابتاع صندوقا من الحلوى وباقة ورود حمراء، فقد كان هذا الخيار الأفضل بالنسبة إليه ، وعندما وصل إلى المنزل شعر بشعور ابن الرابعة عندما يرسم رسما جميلا فيأتي به ويقدمه لأمه بكل سرور وفرح ، ولكن المنزل كان في حارة قديمه متخلخلة الجدران ، قد ظهرة ملامح الفقر عليها ، لدرجة أن كل من عرض طريقه في الشارع ظل يحدق إليه بتعجب ، فبالرغم من الحاجة التي وصفتها له الجارة لكنه لم يكن ليعتقد أنها تصل لهذه الدرجة، وقف أمام المنزل وقلبه يكاد يتفطر ، في مجرد التفكير في أنه عاش سنوات يصرف المال في الشهوات من الطعام واللباس وفي حفلات ماري وأصدقائها وأمه تعاني الأمرين هنا ، ثم طرق الباب ، فأجابه صوت من الداخل لحظه ، أدرك أن الصوت ليس صوت أمه فالصوت كان شابا أنثويا ، ثم ما ان فتح الباب حتى ظهرت له فتات في العشرين من عمرها ترتدي خمارا أسود قد لفته بإتقان على وجهها القمحي عندما نظرت إليه ابتسمت وقالت :أنت محمد صحيح؟ ،فأنسته ابتسامتها البريئة ما تفطر قلبه له، لاح صوت من الداخل : من الطارق ؟ ، أدرك أن الصوت صوت أمه ، فقال : محمد يا أم محمد . فقالت بصوت عال : والله إني كنت أعلم أن من رد يوسف لأبيه سيرد لي محمد . فدخل مسرعاً لها وقبل يدها وضل يبكي في حضنها ، نظر إلى وجهها ، فرأى امرأة عجوز قد أدرك منها الدهر مدركه ، ألمه قلبه لمظهرها ، فقد كانت تبدو أكبر من سنها بكثير، ولكنها ضلت تمسح على رأسه وتمرر يديها الطاهرتين على رأسه ، وتقول : لقد كبرت ، لقد كبرت ،. وتابعت البكاء ، ثم نظرت والدته للفتاه وقالت : إنها ليل يا محمد لقد كبرت و أصبحت أستاذه في اللغة العربية . فنظرت له ليل بخجل وقالت: لقد أخبرتنا أم رهف بقدومك ، ثم نظرت له والدته وقالت آمره : ليل اقتربي، فاقتربت ليل فحضنتها والدته وقالت :عندما توفي والدك ، بقية وحيده ولم يكن لي ملجأ غير الله فانتقلت للسكن معها هي وأخيها علي ، أما علي فقد تزوج ،وسكن بالقرب من هنا ، وهو من ينفق علينا ،أما ليل فإنها المعتنية بأمك العجوز والصابرة عليها ، فنظر إليها وقال :أمي لا تقولي هذا الكلام فمازلت شابه ، فقالت : إن أبني بدأ يشيب كيف تريدوني أن ابقي شابه ، قالتها وهي تمسك بخصلاته البيضاء ، فابتسم. قالت الأم: حدثني بما حدث لك بكل تفاصيل حياتك البعيدة عني ، قالتها بصوت ملئه الحنان ، فقال باختصار : لقد تمرد علي القدر حتى قابلت فتاة تدعى ماري ،وقفت معي إلى أن أصبح لي مكانا في المجتمع وبيعت لوحاتي بشكل كبير وتزوجتها ،ثم أكملت دراسة الفن ، وعملت أستاذا للرسم في إحدى المدارس ، ثم ... ..، فصمت ،ولمعت ابتسامة ألم في وجهه ، وقال بألم : ثم انفصلنا ، فلم يعد لي أي دافع للبقاء هناك . قالت : ألم يكن لكم أبناء ؟ فقال : لا ، لم تكن تود الإنجاب . فحضنته أمه وقالت : سيرزقك الله بخير منها إن شاء الله. ثم قالت ليل: هيا الغداء جاهز ، فاجتمعوا جميعا حول المائدة وتبادلوا الأحاديث حول كل شيء تقريبا قالت الأم : بما انك هنا منذ أيام ، لما لم تأت لزيارتي أيها الجاحد ؟ فقال : الآن أنا بجوارك فدعكي من الماضي . فقالت :ألا تعلم أني بين حياة وموت ولا تضمن أني سأبقى للغد ، فقالت ليل: خاله ماذا قال الطبيب ، ألم يأمر كي بالأمل والدعاء . فقال : أي طبيب ؟ ، فقالت ليل: لا تشغل بالك ستشفى والدتك إن شاء الله ، فقالت أمه معارضه : لقد كبرت والدتك ، ومرضت بالسكر وأنت غائب عنها . فحضنها وقال أمي .... إني معك الآن . وضل قلبه يخفق بقوه ، وعلى وجهه هم واضح ، فقالت ليل محاولتا أن تغير السياق بعد أن كانت من دخل فيه: محمد أين قضيت لياليك السابقة ؟ فقال : في نزل ليس ببعيد عن هنا ، فقالت والدته : وأين ستقضي الليلة ؟ فنظر إليها وقال : في أرض الله ، فقالت:لا تمازحني ، فقال : لا أعلم ، فقالت اقضي الليلة معنا ، ونظرت إلى ليل وكأنها تشاورها ، فقالت ليل: نعم ، فإن والدتك في أشد الحاجة لك ، ثم قالت ثم إن هناك غرفتا فارغة كانت غرفة علي ، وقد وضعنا فيها كل أغراضك التي تركتها ، وبعض الصناديق ولكنك تستطيع قضاء الليلة فيها، فنظرت له والدته متوسلة فقال : حسناً، ومضي الوقت بين دموع وضحكات ، وعندما حان موعد النوم فرافق والدته إلى غرفتها ، ورافقته ليل لغرفت علي السابقة وقالت له تصبح على خير ، فقال لها : وأنت من أهله ، ثم دخل الغرفة وجدها كما وصفتها ليل مليئة بالصناديق وأغراض عشقها في صغره ، ولكن النوم كان حائلا بينه وبين اكتشافها ، فألقى بجسده على السرير و غرق في نوم هنيء .
ماذا يحدث بعد اللقاء ؟
فتح عينيه ببطء فرأى السماء في أول مراحل استقبال النهار ، ثم سمع طرقا خفيفا على الباب- وكان هذا هو اليوم الرابع الذي يقضيه معهم- تلا ذلك دخول والدته إلى لغرفة ثم قالت له: انهض أيها الكسول لصلاة الفجر ، فنظر إليها وتخيل أنه في بيتهم القديم وأنها توقظه للصلاة كما كانت تصنع في الأيام الخوالي ،فنهض وتوضأ ، وصلى الفجر ، ثم سمع أمه وهي ترتل آيات من القرآن الكريم وكانت تقرأ سورة النحل قوله تعالى(والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة و رزقهم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ) ثم أجهشت في بكاء مرير ، فأسرع إليها وقال لها : أماه لقد رزقك الله بابن ، وقد عاد لك فلما البكاء ؟ ، فقالت : إن وقع أماه جميل في قلبي ، ولكني أشتاق وقع جدتي، نظر إليها حائرا فلم يعلم بمذا يجيبها ، فقد تمنى هو أكثر منها أن يكون له أطفال يلاعبهم ويسابقهم ، ثم قالت : بني إن الله قد فتح عليك أبواب رزقه ، وإن خير البر عاجله ، وإن الزواج نصف دينك . نظر إليها وقال : منذ أتيت إلى هنا وأنا لم أفكر في هذا الموضوع أبدا ولكن لأجلك ، سأفكر فيه ، نظرت إليه وقالت : أنا أعلم تفكيرك كم يطول ، إني أخيرك بين عدت فتيات وأنت اختار من ترغب بالزواج بها منهن ، وإن لم تناسبك أي منهن فإن مسؤولية الاختيار تقع على عاتقك بعدها ، فقال : حسنا ، قالها غير مؤمن بها ولكن طائعا لوالدته ، فتجربته المريرة كانت حائلا بينه وبين التفكير في الزفاف ، قالت والدته : ما رأيك بمريم بنت عمك ؟ ، إنها تصغره بعشر سنين ، فقال : أمي إنها عنيدة في طفولتها فكيف حالها في شبابها ، نظرة إليه وقالت كما هي لم تتغير ، وأنت كما كنت لا تطيقها ، قالتها وهي تضحك ، ثم قالت : حسنانا ليل ؟ ما رأيك بها ؟ فقال: أمي أعلم أنها قضت لنا معروفا ولكنها قد تغيرت ، لقد أصبحت واجمة قليلة الضحك قليلة الكلام .وما أن نطق عبارته حتى سمعا صوت أقداما وهي تدخل مسرعتا إلى غرفتها ، فقالت له : لقد جرحتها ،ثم إنك غير محق في قولك ، إنك لا تعرفها .ثم تبعتها الأم ، ودخلت إلى غرفتها وقالت : إنه لا يعرفك ، وإنك يا عزيزتي لزينت النساء . قالت ليل من بين دموعها : إني منبوذة فلا أحد يريدني زوجتا له ، فحضنتها وقالت لها : من قال هذا ، إنك أجمل وأرق فتات رأيتها وعاشرتها ، ثم من تستطيع أن تصبر علي وتتحملني غير أن تكون تاج النساء ، فابتسمت وقالت : هذا إطراء لي ، ثم ضحكتا ، تلى ذلك صوت محمد ينادي أمه ، فذهبت له ، فقال :إني راحل ،فقالت له : والفتاه المسكينة التي جرحتها ؟ فقال : ناديها لي . فنادتها فأتت فنظر إليها وقال : إني أسف . فنظرت إليه بعد إن امتلأت عينيها بالدموع وقالت : لا عليك . ودخلت لغرفتها مسرعه . قالت الأم : أتكفي أسف ؟ ثم قالت : اذهب إلى نزلك ، فقال لها : إني ذاهب وسأعود اليوم بعد الظهر . فقبل يدها وخرج متجها نحو النزل ، في طريقه ظل يفكر فيما حصل فشعر بالأسى على ما قاله في ليل ، ولكنه سرعان إنتقل إلى التفكير في عروسه المقبلة ، تذكر جميع الفتيات اللواتي يعرفهن في العائلة فلم يجد فتاتا مناسبة ،ثم فكر في رهف ، فشعر أنها مناسبة –فقد علم أنها مطلقه مثله – وظلت صورتها في عقله ، وشعرها الأسود الناعم منشورا بطريقه عفويه فوق كتفيها ،وبشرتها البيضاء ، وعندما وصل إلى النزل قال له عامل الاستقبال ممازحا : لولا أنك دفعت أجر أسبوع لكنا رمينا بأغراضك في الخارج ، فقال : الحمد لله أني فعلت ، ثم استلم مفاتيح غرفته واتجه إليها، فغرق في النوم ، ولم يفق سوى على أذن العصر ، فصلاه مع الظهر ، وشعر بشعور مزعج ، ثم دخل إلى الحمام بغرض الاستحمام ، وهو يشعر بضيق شديد ، وبعد ذلك ارتدى بنطاله الأسود ، و ارتدى معه قميصا أسود ، و اعتمر قبعته السوداء ، فبان في زيه الأسود أكثر جاذبيه من السابق ، ولكن ضيقه الواضح على وجهه جعل تلك الجاذبية تختفي ، وبدا متوترا ، وخرج من النزل متجها إلى بيتهم القديم ، فقد خطر بباله أن يشتري بيتهم إن كان معروضا للبيع وخاصة أن الأحد يسكنه ، وأن يمر على من وضعها في موقع
صورة العروس المقبلة.
طرق باب أم رهف ، ففتحت له رهف ، فنظر إليها فسحرته ملامحها الرقيقة ، فقالت له وهي تتبسم : تفضل ، فقال لها : شكرا ، ثم دخل عليه أحمد وسلم عليه ، وأتت أم رهف لتلقي عليه التحية ،ثم جلسوا جميعا وتبادلوا أطراف الحديث ثم قال : أتعلمين يا أم رهف من اشترى بيتنا السابق ؟، فقالت هو ملك للبنك على ما أعتقد ، فسألها عن اسم البنك ، وجميع التفاصيل عنه ، ثم استأذنهم للرحيل فقالت له رهف : لا تنسنا ، وتعال لزيارتنا أنت ووالدتك وليل ، فقال في نفسه : قريبا قريبا جدا ، ثم اتجه إلى البنك المراد وأعاد شراء المنزل ، وذهب لوالدته بعدها ، ففتحت له ليل الباب و ابتسمت له ابتسامة ألم واضح كان قد على وجهها ، نظر إليها فشدته ملامحها العربية وكأنه أول مرة يلحظها ،ثم دخل و اتجه إلى غرفت والدته وقال لها : أماه هلم بنا ،فقالت له : إلى أين ؟ فقال : إلى منزلنا . فقالت : ألم أخبرك أنا قد بعناه تحت تأثير الديون ؟ فقال : لقد اشتريته من المال الذي جمعته في سنين الغربة . فدمعت عينيها وقالت : الحمد لله ، الحمد لله الله أكبر ، الله اكبر ، ثم أتت ليل فأخبروها بالخبر ، فابتسمت وقالت : إذن سأنتقل للعيش في بيت أخي إلى أن يأتي نصيبي في الزواج ، فحاولت أن تطلب منها القدوم معهم ولكن نظرات محمد الغير مبالية لكلامها جعلتها تغير رأيها ،ثم اتجهت معه إلى البيت فوجداه كما تركته أمه بأثاثه ولكن الغبار كان قد ملئ كل شيء فقالت له والدته : إذن سأقضي الليلة مع ليل وأنت أقضها في النزل وغدا نجمع أغراضنا وننتقل ليل لعند أخيها ....ثم صمتت لترى رأيه في الموضوع ولكنه أكمل : ونحن هنا . فقالت : إن ليل تعبت معي ولن أجازيها بهذه الصورة إما أن تأتي معي إلى هنا أو أني لن أنتقل معك ، فنظر إليها وقال : أمي ،لقد اخترت رهف أن تكون زوجتي ووجود ليل هنا قد يسبب المتاعب فقالت له : حتى وأنت فنان مرهف الحس، فأنت أناني التفكير ، الله يهديك ، فقط هذا الذي أقوله لك ،ثم إني لن نتقل إلى أي مكان حتى تنتقل ليل إلى بيت زوجها أو إلى هنا معنا . فنظر إليها فرأى في عينيها الحزم ، فقال لها : أترضين فراقي ؟ فقالت : أنت عشت عشر سنين بعيد لا تسأل وهي وقفت معي فصهرت الليالي لتمريضي وصرفت ما تستطيع عليه من مال على دوائي ، وأنت تأمرني بأن أتركها بكل سهوله ، لا لن أفعل، ولا نقاش في الأمر ، فتبددت الفرحة بالمنزل .
ثم أوصل والدته إلى منزل ليل ، وطلب من ليل الإذن في أن يأخذ أغراضه التي في غرفة أخيها ، فأذنت له ،فصعد إلى الغرفه ووجد بداخلها بعض الصناديق التي كتب عليها اسمه وبعض اللوحات التي عقلها ، ثم جمع أغراضه ، وقصد الرحيل ولكن ليل قاطعته قائله : هنالك صندوق بجوار النافذة لك ولكن لم يكتب اسمك عليه ، فعاد ووجد صندوقان بجوار النافذة ، فاختار الأصغر و اتجه نحوهما ليسألهما عن أي الصندوقين له ، ولكن أمه قالت له : ألن تتناول العشاء معنا ؟فقال :لا يجب أن أرحل ، وأخذ الصناديق ونسي أمر الصندوقين ،و اتجه نحو منزله ووضع فيه أغراضه ، وقضي ليلته في النزل .
وتمر الأيام
كما هي حال أوراق الخريف ما إن تسقط واحده حتى تتوالى باقي الأوراق في التساقط واحدة تلو الأخرى ،توالت الأيام لتصنع الشهور ، فبعد مرور ستة شهور ، كان محمد قد اشتغل في التدريس ، وظل يسكن وحيدا بينما كان يتردد على زيارة بيت ليل لزيارة والدته .
كان التغير في أسلوب العيش وعقلية الطلاب صعبا بالنسبة له ، ولكنه كان متقننا لعمله مؤديا لرسالته بأكمل وجه ، وقد كتب في مذكراته ذات يوم :
أيا أرضي اعذريني ...على سنين بعتك فيها ....
إنك لجميله ..بقدر أيام الذكريات الماضية ......وأيام الأمل القادمة
إني ...أحبك ...لأنك أرضي ، ويدفعني حبك إلى أن أتعب وأتعب ،في بنائك وصنع أبنائك ...
صنع شباب المستقبل
إني أعلمهم الفن ....فن الحياة
فن الحب
وفن الأمل
فأرجو منك الغفران على أيام الهجر
ابنك
أيهما المقصودة
كانت السماء ملبده بالغيوم بصورة تجعلها لوحة ناطقه ساحره ، وعندما نظر إليها شعر بنشوة غريبة ، فربما أشعرته الغيوم الغير معتادة بأن هذا اليوم مميز ،نهض بكسل من سريره ثم أمعن النظر في النافذة –فقد كان يوم عطله -، فكانت الغيوم ملهمته ،فبعد أن توضئ وصلى الضحى جلس قبالة النافذة وأمسك بقلمه وبدأ يكتب في مذكراته :
عذبت أنت كالطفولة، كالأحـ لام ،كاللحن، كالصباح الشديد
كالسماء الضحوك، كالليلة القمـ راء ،كالورد، كابتسام الوليــد
أنت ... ما أنت ؟رسم جمـــــيل عبقـري من فن هذا الوجــــــود
كلما أبــــصرتك عيناي تمشيـ ـن بخطو موقع كالــــنشيــــد
خفق القلــــــب للحياة ، ورف الزهر في حقــــل عمري المجرود
هذه كلمات من مجهول وجدتها بين أوراقي في يوم من الأيام،وها أنا أرددها اليوم ..أرددها صبحا مساء ، أرددها كلما لمحتها عيناي ،من أول ما لمحتها عيناي بعد ذاك اليوم شعرت بأن هذه الأبيات قد كتبها قلبي وليس أبو قاسم الشابي ، بل إن قلبي قد رددها كما لم يرددها الشابي، فيا ليت من باعني قلبي لأجلها تسمع شعري ، أو تصل إليها دقات قلبي ، أو تشعر برعشة يدي بجوارها ، ألهذه الدرجة الحب يكون ، أم إني فنان مجنون بحب فتاه من عهد الياسمين ، فتاة الأرض تعشق مشيتها بين السائرين ،فتاة تعاملني كالغريب ، أأبكي ، أأبكي من شوقي أم من الحنين ، أم من حبي المظلوم ؟ فيا فتاة الياسمين يا جوهرتي المصون ، رأفتا بحال فنان ملئت ضحكتك لوحاته الحائرة ولهجتك أسماعه الثائرة على صوتك المجنون الحنون ، من أنت ، أمخلوقة من تراب أم ملائكة من نور ؟ يكاد طهرك يشعرني بأني نجس في اختلاس النظر إليك ، فردي على قلبي ولن أتردد بعدها في أن أكون لك زوجا مطيع ، ردي فإن الوقت من عمري يضيع وسلام على من سرقت قلبي المجنون......بحبها .
ثم كتب على الهامش ...ليتني أرسلها لها .
ثم نظر إلى الساعة فوجدها تجاوزت الحادية عشر فعلم أنه تأخر على موعد تسليم رسوماته لأحد المشترين ، فجهز نفسه وحمل رسوماته واتجه إلى المشتري وسلم له بضاعته واستلم ثمنها ، ثم ذهب إلى بيت ليل ، فطرق الباب ففتحت له ليل وقالت تفضل : فدخل وقبل رأس والدته ، ثم أعطاها مما كسب من لوحاته جزءا ليس بسيطا ، فردته له وقالت : يا بني ،إنك في حاجة لهذا المال فإنك تود الزواج كما أخبرتني منذ شهور ، ولكنا لم نعد الحديث في الموضوع ، فما أخر أخبار سعيدة الحظ ؟ ، فنظر إليها وابتسم ابتسامتا تدل على أن هناك ما يفرح القلوب ، وقال : كل شيء جيد في أوانه ، وما أن قال هذه الكلمة حتى دخلت ليل قائله : ها ما أخبار العمل ؟ فقال : بخير ، ثم قالت أمه : قل مبروك ، فابتسم وقال : هل ستنتقلين للعيش معي ؟ فقالت هو كذلك ، فإن ليل ستتزوج بابن عمها ، فلقد خطبها من أخيها ووافقت عليه ، وسنقيم العرس قريبا ،فابتسم وقال : مبروك ، فقالت بخجل وهي تنظر له : شكرا ،ثم قالت والدته : إذن ما رأيك أن نفرح بك و برهف فتصبح الفرحة اثنتين ؟، وما أن قالت أمه هذه العبارة حتى خرجت ليل من الغرفة مسرعة،ثم قال بتردد وخوف ممزوجين بخجل :لا أعلم . ثم لم يستطع تمالك نفسه ، فاستأذن من والدته وعاد إلى منزله ، وفتح مذكراته ليكتب :
لا أعلم ما يخبئ القدر لنا ، فهل ما سيحصل سيجمعنا أم يفرقنا ؟
هل سينهي عذابي أم سيمحوه ؟
هل يجب أن تنتهي قصت حبنا بالفراق لكي تبقى مخلده كقصة قيس وليلا وقصة عبلة و عنترة ؟
وإن ختمت بجمع هل سينبذها الكتاب والشعراء ؟
إني حائر
إني حائر
وكلما لمحتك تمشين ازدادت حيرتي
لأن نفسي حينها تحدثني قائله
أيا رجلا هل سترضى بك تلك الملاك ؟
أأطلق حبي للأنام أم أحبسه ليضل جرحا داميا لا يشفى؟
وما أن انتهى من خط كلماته تلك حتى رن هاتف المنزل فرفع قائلا بصوت مأساوي : نعم فرد صوت ليل من بعيد تقول : نحن الآن في المستشفى تعال لقد أغمي على والدتك ، فأغلق سماعة الهاتف بعد أن وصفت له مكان المستشفى، واتجه مسرعا نحوه .
هنالك في المستشفى وجد رهف وابنها محمد ووالدتها ، وعلي وليل ، وكان كلا من ليل ورهف ووالدتها يسيران بعصبيه وتردد ، فذهب ليسأل الطبيب عن والدته فقال له : إنها بخير ولكن أغمي عليها من شدة تأثرها بشيء ما سواء أكان تأثرا بالفرح أو الحزن ، ونحن قد منعنا زيارتها لنوفر لها الراحة لا غير وسيفتح باب الزيارة الساعة الثامنة مساءا ، وتستطيع والدتك الرحيل بعد غد إن شاء الله ،فشكر الطبيب و اتجه حيث وقفت النسوة ومعهن علي وقال لهن مقالة الطبيب ،فقال علي : إن شاء الله تخرج سالمه ، إني راحل وإن حدثت أي تطورات أخبروني بذلك ، ولكن النسوة لم يردن الرحيل وكلا منهن أرادت البقاء للاطمئنان على والدته، وضلت ليل ورهف تسيران بتردد منتظرتان أي بصيص أمل يربطهم بأم محمد ، فكل واحدة منهما عاشت مع والدته أيام لا تنسى رهف في طفولتها وليل في شبابها، وضل هو يرقبهما وهما يسيران في توتر: وأخذت نفسه تحاوره قائله :
أيا أيها القدر ، أتدع الحبيبة تترد أمام عيني كتردد قلبي بجوارها ، لولا الحرج لطلبت يدها الآن أمام الناس في هذه المستشفى لأصرخ بجنون ، يا أميرتي أترضينني زوجا لك في الدنيا والآخرة ، فإن هي وافقت دفعت لها مهرا بالدنيا وما فيها وبنيت لها قصرا من السعادة وإن هي رفضت أحببت بعدها لأنها كانت تريده ، فهل أفعلها وأطلب يدها هل أفعلها ؟
وضل يرددها في نفسه حتى وقف وعزم على فعلها ، واتجه نحوهما ، ولكن الطبيب أتى وناداه قائلا : إن والدتك قد أفاقت وتناديك أنت وليل، فدخل هو وليل عليها ،ثم قال : أمي لقد أرهقك الفرح ، فضحكت والدته ، وقالت : إني لا أعلم متى يكون أجلي وإني أخاف أن يكون قريب، فحاول مقاطعتها ولكن ليل همست له بالصمت ،ثم تابعت والدته كلامها : الآن أنا مطمأنة على ليل ، فعندما أراها تتلوا القرآن أشعر بأنها قوية كفاية لتعيش وحيده في هذا الزمن الغريب ، أما الآن وبعد خطبتها فإني أستطيع أن أطمأن عليها كل الاطمئنان ، فحضنت ليل أم محمد وعينيها ملئا بالدموع ، ثم تابعت قائله : وأنت يا محمد ،إن صلاتك في المسجد تدعني أطمئن عليك ولكنك لم تتقدم بعد لخطبت رهف ، فهل ستفعل ؟ أتاه السؤال مفاجئ فلم يعرف ما يقول ، فنظرة له ليل في عينيه ، وحركت رأسها بأن وافق فنظر إليها بتمعن وقال : حسنا يا أمي ، ثم دخل الطبيب وقال : إنها مازالت مرهقه فمن الأفضل أن تنصرفا ، لكي لا تزداد حالتها سوءا . فانصرفا ، وما إن غادرا الغرفة حتى أتتهم رهف ووالدتها وابنها وسألت أم رهف : هل هي بخير؟ فقال محمد : الحمد لله بكل خير ، ثم قال : لقد قمتم بالواجب وزيادة ، ولكن لن تستطيعوا زيارتها قبل الساعة الثامنة ليلا ،ومن الأفضل أن يعود كلا منا إلى منزله ، فنظروا إله جميعا وقد أرهقهم الانتظار ،ثم قالت رهف : حسنا لنعد للمنزل ونأتي لزيارتها في الثامنة ، وشرعوا بالرحيل ،ثم توجه رجل شديد الملامح عظيم الجسد نحوهم ، ثم اقترب منه وقال : السلام عليكم ، فقال محمد : وعليكم السلام ، هل أعرفك ؟ ، فرد الرجل : لا أعتقد ولكنك سوف تعرفني ، أنا خطيب الآنسة ليل ، فشعر أن قلبه على وشك أن يفارق جسده ، ونظر لليل ، فوجدها بغاية السرور ، ولكنه استغرب لأنها لم تكن خجله كعادتها ،ثم قالت رهف : مبروك يا ليل ، العاقبة للزفاف إن شاء الله ، ورددت والدتها مقالتها. وخرجوا جميعا من المستشفى بعد أن ودعوا خطيب ليل ، واتجه كل منهم إلى منزله وقدم علي لاصطحاب ليل إلى منزله، وفي طريق العودة سمع محمد أغنيتا لعبد الحليم غنى فيها : حبيبها ...لست وحدك حبيبها ....
حبيبها أنا ....حبيبها أنا قبلك .....وربما جئت بعدك .....وربما كنت مثلك حبيبها ....حبيبها ...
شعر أن عبد الحليم ما غنى هذه الكلمات إلا له ، ولقصته ، وعاد مسرعا وبحث عن دفتر مذكراته ثم فتحه بعنف،فسقط من بين يديه ، وفتح على صفحت كتب فيها : إني الآن أقع في حب فتاتا مقتها وجرحتها ، لقد جعلتني كلماتها ، أشعر أني ظلمتها ، أأكون بكل هذه القسوة ، ألمجرد تعففها من مخاطبتي برقه ونعومه، والتزام حدود الله معي أعتبرها واجمة ؟ إني ظالم ؟ ولقد أتت هذه الوريقات بيدي تثبت ذلك ، إنها لها إنها وريقات كتبت فيها أناملها :
متى ستعرف كم أهواك يا رجلا أبيع من أجله الدنيـــا وما فيها
أيا رجل الغربة ، ألا تسأل إني لا أعلم هل أحببتك؟ ، أم أحببت أمك الرائعة ؟أم أحببتك لأنك ابنها ؟أم أحببتها لأنها والدتك ؟، إني لا أذكر صورتك إلا لماما ، أراك في مخيلتي ترسم لوحات ولوحات ،فهل تذكرني أنت على الأقل ؟
أني أعاني حب وهم من طرف وحيد فأين أنت لتقرأ كلماتي ؟
وقد وقعت بتاريخ سنتين للوراء وأما الجديدة فإنها كلماتها خطتها عندما جرحتها :
أيا أيها الظالم المستبد أتعتبر طهري وتعففي وجوما، بأس ما أنت فيه من جهل، إن كنت كذالك. ، وإني أكتب هذه المكلمات في غرفت عشت فيها ليال لعل قلبك القاسي يشعر بأنفاسي فيها ،...
فقرأ تلك الكلمات وشعر بأن قلبه قد تبلد ، وحاول أن يكتب شيء في دفتره ، ولكن لا أمل ، فانطلق إلى لوحاته ،وحاول أن يطلق العنان لمشاعره فيها ، ولكن مشاعره تبلدت هي الأخرى ،فاحتار فلم يعلم ماذا يصنع ، فتوضأ وصلى صلاة الاستخارة ،وبعدها شعر براحة في صدره ، واتجه بعدها إلى المستشفى فبشره الطبيب قائلا :لقد استيقظت والدتك وهي تود رؤيتك ،فدخل عليها مطأطأ الرأس مشغول الخاطر ، فقالت له لما الحزن ؟ ، فقال أودك أن تنتقلي للعيش معي . فقالت شهور قليله وأنتقل ولكن بعد زواج ليل ، فقال لها وقد كاد صوته ان يختنق : لا أود أن تأتي أنت وليل ، فنظرت إليه وقالت:وما الذي غير رأيك يا أيها الشقي؟ فنظرة إليه وقالت:إنه الحب فقالت له:إنها تحبك،لو لم تبدي شيئا فإن عينيها تقول ذلك ولكنك كنت لا ترى ذلك،ثم قال:وما العمل الآن؟فقالت:بعد أن أخرج من المستشفى،سأزوجكما قبل أن تغيرا رأيكما.